حالة من الجدل الكثير تدور الآن حول التعديلات الدستورية بالشارع المصري بين مؤيد ومعارض.

 

البعض مقتنع بها ويرى فيها خطوة مهمة نحو تحقيق مزيدٍ من الحرية، وإجراء انتخابات نزيهة وشفافة في ظلِّ إشراف قضائي كامل، كمقدمة لوضع دستور جديد للبلاد، وأن هذا هو أفضل الخيارات في الوقت الراهن.

 

والبعض الآخر يرى أن التعديلات خطوة غير كافية، وأن دستور 71 قد سقط، ولا بد من وضع دستور جديد، وانتخاب رئيس الجمهورية أولاً، وإعطاء مهلة للقوى الشبابية لكي تتواصل مع المجتمع، وتقدم برامجها إلى جماهيره، وهؤلاء اعتبروا أن الانتخابات إذا أُجريت في هذه الحالة فإنها ستدور بين الإخوان المسلمين الأكثر تنظيمًا وبين فلول الحزب الوطني الأوفر حظًّا من المال.

 

أولاً: إيجابيات التعديلات (رأي الفريق الأول)

* أهم هذه الإيجابيات على الإطلاق أنها وضعت خارطة طريق واضحة ومحددة لوضع دستور جديد لمصر؛ حيث ألزمت المادة 189 مكرر أعضاء مجلسي الشعب والشورى باختيار جمعية تأسيسية خلال ستة أشهر بعد الانتخابات البرلمانية لوضع دستور جديد للبلاد.

* إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية حرة ونزيهة، وتحت إشراف قضائي كامل من إعداد الكشوف وحتى إعلان النتيجة بعيدًا عن تدخل وزارة الداخلية.

* إتاحة الفرصة للراغبين في الترشح لرئاسة الجمهورية من أبناء الشعب المصري؛ وذلك بعد تعديل نص المادة 76، والتي كانت لا تتيح هذا الحق إلا لمَن يريده الرئيس السابق أو ابنه.

* لم يعد رئيس الجمهورية يحكم مدى الحياة، فبعد تعديل المادة 77 أصبحت مدة الرئاسة أربع سنوات، ولا يعاد انتخابه إلا مرة واحدة فقط.

* تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية في إعلان حالة الطوارئ، فأصبح لا يستطيع إعلان حالة الطوارئ لأكثر من أسبوع إلا بموافقة مجلس الشعب، ولا يستطيع مجلس الشعب مد حالة الطوارئ لأكثر من ستة أشهر إلا بموافقة الشعب في استفتاء حر ونزيه، كما ورد في نص المادة 148.

* إلغاء فكرة (سيد قراره) سيئة السمعة، والتي كانت تعطي لمجلس الشعب الاختصاص في الفصل في عضوية الأعضاء المطعون عليهم بالتزوير وخلافه، وجعلت المادة 93 هذا الاختصاص لمحكمة النقض.

* إلغاء المادة 179 والتي كانت تعطي الحق لرئيس الجمهورية في أن يحيل أي مواطن إلى أي محكمة، حتى ولو كانت محكمة عسكرية.

* أن يتفرغ الجيش لأداء مهمته الأصلية، وهي حماية الحدود.

* تفويت الفرصة على أصحاب المنافع أن يسرقوا مكاسب الثورة.

 

هذه بعض الإيجابيات التي ما كان أحد يحلم بها قبل شهر ونصف من الآن، حتى أشد المعارضين لهذه التعديلات الآن.

 

ثانيًا: مناقشة انتقادات المعارضين للتعديلات الدستورية:

1- أن دستور 71 قد سقط، ولا يجوز تعديله بل يجب وضع دستور جديد، ونحن نقول نعم مصر في حاجةٍ إلى دستور جديد، وهذه التعديلات في الحقيقة تقود إلى هذا الدستور؛ حيث لا توجد آلية أخرى واضحة ومحددة لوضعه.

 

في حين حددت التعديلات أنسب الطرق لاختيار الجمعية التأسيسية التي تقوم بوضع هذا الدستور؛ حيث يوجد هنا أربع تصورات لاختيارهم كما ذكر م/ سيف الدولة:

1) الأول هو أن يقوم على اختيار المجلس العسكري أو المجلس الانتقالي إن وجد، وهو أضعف التصورات ديمقراطيًّا.

2) والثاني هو أن ينتخبهم الشعب، وهي مسألة قد لا تناسب الطبيعة الخاصة للمهمة المطلوبة، التي تتطلب خبراء يختارون بمعايير دقيقة لا تتوفر في آليات الانتخابات.

3) والثالث المرفوض تمامًا هو أن يصدر بذلك قرار من الرئيس المنتخب في حالة إذا ما تمَّ، لا قدر الله، تمرير مطلب أسبقية الانتخابات الرئاسية على البرلمانية.

4) والتصور الرابع هو ما نصَّت عليه التعديلات المطروحة من أن يختارهم الأعضاء المنتخبون من مجلسي الشعب والشورى، وهو التصور الأكثر واقعية، والأكثر مراعاة للمعايير الديمقراطية وفقًا للظروف الجارية.

 

أضف إلى ذلك أن الموافقة على هذه التعديلات تسقط الدستور القديم، وتلزم بالبدء في إجراءات وضع دستور جديد عقب الانتخابات البرلمانية.

 

كما لا يفوتنا هنا أن نشير إلى أنه كان من الأفضل- كما يقول م/ سيف الدولة- أن يتمسك أصحاب هذا المطلب (وضع دستور جديد) به منذ البداية، منذ لحظة الإعلان عن تشكيل اللجنة برئاسة المستشار البشري فيرفضوا مغادرة الميدان أو فض الاعتصام إلا بعد الاستجابة لهذا المطلب، وفي هذه الحالة كنا جميعًا سنؤيد هذا الموقف وندعمه وندافع عنه حتى النهاية، أما أن يتم طرحه الآن بعد أن هيأت الناس نفسها معنويًّا وسياسيًّا لقبول مبدأ التعديل وآلياته، خاصةً بعد أن رأوا قادة الثورة الموثوق بهم يفضون الاعتصام ، ففهموا وتصوروا من ذلك أن القادة قد قبلوا التعديلات أو على الأقل لم يتشبثوا برفضها، مثلما تشبثوا بإقالة شفيق؛ ما دفع معظم الناس لفضِّ الاعتصام، وقبول مبدأ التعديلات الدستورية، وإعداد أنفسهم لهذه المرحلة.
ثم بعد ذلك، نأتي في الوقت الضائع لنفاجئهم بالرفض القاطع، ونحرضهم على عدم الذهاب إلى الاستفتاء أو على الذهاب والرفض!

 

أظن أن هذه إدارة غير حكيمة للأزمة، قد تتسبب في إحباط الناس، وشق الصفوف، وإثارة البلبلة، وإضعاف الثقة في قادة الثورة.

 

2- أن الوقت غير كاف لإجراء انتخابات مجلس الشعب والمطالبة بمدِّ الفترة الانتقالية، وهنا مفارقة غريبة أن يطلب العسكر تسليم السلطة للمدنيين ثم يطالب بعض المثقفين بإطالة أمد بقائهم في السلطة؛ لنكرر أخطاء ثورة 52 مرة أخرى.

 

وهؤلاء يتخوفون أن يأتي مجلس شعب غير متوازن يسيطر عليه الإخوان وفلول الحزب الوطني، وبالتالي سيسيطران على الهيئة التأسيسية لوضع الدستور الجديد.

 

ولكن المدقق في الساحة الآن سيجد أن هذا الكلام غير دقيق؛ حيث يوجد في الشارع السياسي الآن أربع قوى، كما قسمهم الأستاذ/ فهمي هويدي.

 

الأولى: الإخوان وقد أعلنوا أنهم لن ينافسوا على الأغلبية.

 

الثانية: الأحزاب التقليدية ولا نظن أنها تحتاج إلى مهلة، خصوصًا أن بعضها له وجوده منذ ثلاثين عامًا أو أكثر.

 

الثالثة: وهي القوى الشبابية، وهؤلاء يملكون رصيدًا شعبيًّا الآن يمكِّنهم من التواجد في البرلمان القادم، وأن طول المدة سيفقدهم الزخم الثوري والجماهيري الذي تتيحه لهم أجواء الثورة الآن.

 

الرابعة: المستقلون وهم يستندون إلى رصيدهم المحلي في دوائرهم خدميًّا كان أم عائليًّا أم تاريخيًّا وهم أيضًا ليسو ا في حاجةٍ إلى مهلة.

 

أما فلول الحزب الوطني فلا نظن أن ثمة قلقًا منهم؛ لأن أحدًا لا يستطيع أن يترشح ممثلاً للحزب الوطني الآن، وإذا ترشَّح أحد هؤلاء مستقلاً ففرص نجاحه ضعيفة للغاية في ظلِّ هذا الزخم الثوري والكراهية الشديدة لهم في الشارع؛ بسبب حجم الفساد الذي أحدثوه في مصر.

 

أضف إلى ذلك أن تمديد الفترة الانتقالية وهو ما يعني بقاء المجلس العسكري لفترة قد تصل إلى عام أو عام ونصف أمر له مخاطره؛ حيث إن الجيش له مهام يجب أن يتفرغ لها، وخاصةً في ظلِّ التحديات على الحدود المصرية السودانية والليبية والصهيونية.

 

وأما عن الحلِّ الثاني الذي يُطرح كبديلٍ لبقاء الجيش وهو إنشاء مجلس رئاسي من مدنيين ومعهم شخصية عسكرية، فكما يقول أحد الكتاب سيثير مشاكل عديدة، فعلى أي أساس سيختار أعضاؤه، ومن الذي سيختارهم؟ وماذا لو اعترض البعض على بعض الأسماء؟ وحتى لو تجاوزنا ذلك فمن سيكون رئيسه أم سيكون بالتناوب؟ وماذا لو اختلفوا فيما بينهم؟ فمن الذي سيكون له الحسم والكلمة الفصل؟

 

3- ضرورة انتخاب رئيس الجمهورية أولاً:

وهل من المنطق أن ننتخب رئيس جمهورية بكلِّ هذه الصلاحيات، وفي ظلِّ غياب لمؤسسات الدولة المنتخبة، ودون البدء في إجراءات وضع دستور جديد؛ مما يعني بداية صنع ديكتاتور جديد.

 

ثم إن أيهما أكثر طمأنينةً كما يقول المستشار البشري تسليم البلد إلى فرد له كل هذه الصلاحيات، أم إلى مجلس منتخب في انتخابات نزيهة وفي ظل هذا الزخم الثوري، فانتخاب الرئيس أولاً يعني بداية لصنع فرعون جديد يتمتع بجميع الصلاحيات اللا محدودة.

 

4- البعض يقول إن انتخاب رئيس بعد التعديلات سيأتي برئيس له جميع صلاحيات دستور 71.

 

ونقول إن الأمر هنا مختلف للأسباب الآتية:

* وجود برلمان منتخب بإرادة حرة ونزيهة ويعبر عن جميع الجماهير التي شاركت في الثورة، حيث إن زخم الثورة سيمنعه من استخدام هذه السلطات.

* أن أهم تقليص لصلاحيات الرئيس كما يقول البشري هي مدة وضع الدستور؛ حيث إن الرئيس سيمكث ثمانية أشهر، ويجد نفسه أمام دستور جديد.

 

لكل ما تقدم فإنني سوف أذهب يوم السبت القادم لأقول "نعم" للتعديلات الدستورية.