- المخلوع تحت تأثير المهدئات وبقي مختبئًا وحركة يده للتوتر

- مبارك حاول التواري عن الكاميرات بإخفاء وجهه بيده

- العصابة انقسمت إلى فريقين و"العادلي" أكثرهم رعبًا وارتباكًا

- حمل المصحف هدفه جلب تعاطف الشعب معهم

- رئيس أمن الدولة المنحل يقضم أظافره من التوتر

تحقيق: مي جابر ويارا نجاتي

 

ثلاث ساعات تاريخية عاش خلالها الشعب المصري أحد الأحلام التي طالما لم يصدق أن يراها واقعًا فعليًّا، من خلال أحداث الجلسة الأولى لمحاكمة الرئيس المخلوع وولديه ووزير الداخلية الأسبق و6 آخرين من مساعديه.

 

تابع الملايين من الشعب المصري شاشات التليفزيون بتركيز شديد؛ انتظارًا لظهور الرئيس المخلوع، لكنْ هذه المرة ليتأكدوا أنه يُحاكَم فعليًّا على ما ارتكب من جرائم ضد الشعب المصري على مدار الثلاثين عامًا الماضية.

 

الساعات الأخيرة من مساء الثلاثاء، وحتى الواحدة بعد ظهر اليوم- ثالث أيام شهر رمضان- مرت في ترقب شعبي شديد لصدق التصريحات الحكومية بظهور المخلوع ونجليه في المحاكمة، وحوالي الساعة العاشرة صباحًا ظهر أولاً علاء وجمال مبارك على شاشات التليفزيون التي نقلت المحاكمات مباشرةً على الهواء، ثم تراجعوا قليلاً، وبدأ المتهمون في دخول القفص، بدءًا بأعوان العادلي، ثم حبيب العادلي؛ الذي جلس في المقدمة متوسطًا المقعد، وتلاه دخول علاء وجمال اللذين ظلا واقفين أمام القفص؛ ليغطيا على دخول الأب المخلوع؛ حيث لم يظهر لكاميرات التليفزيون سوى بعد استقراره في مكانه على سرير طبي.

 

ما بين حركات مبارك بيديه ووجهه، وحديثه مع ولديه الواقفين طوال مدة الجلسة يحملان مصحفين في أيديهما، وجلسة حبيب العادلي وأعوانه خلفه على مقاعد المتهمين داخل القفص (إخوان أون لاين) يضعهم على مائدة التحليل النفسي:

 

أول مشهد لفت انتباه الدكتورة رضوى سيد عبد العظيم "طبيبة الأمراض النفسية والعصبية بالقصر العيني" هو التنافر والتباعد الشديد الذي ظهر على المتهمين فور دخولهم القفص؛ حيث انقسموا إلى فريقين متباعدين؛ الأول: فريق "العادلي" وأعوانه، والآخر البعيد عنهم فريق المخلوع ونجليه؛ الذين بدت بينهم حميمية وتقارب.

 

 الصورة غير متاحة

 الرئيس المخلوع حسني مبارك داخل قصف الاتهام

وتتابع: وبينما وضحت على "علاء" و"جمال" علامات التوتر والقلق مع بداية دخولهما قفص الاتهام، كان الرئيس المخلوع الأكثر ثباتًا من ولديه؛ ما يشكك بشدة في وقوعه تحت تأثير المهدئات؛ لما لديه من مرض في القلب وغيرها من الأمراض التي تسمح له قانونًا بتناول المهدئات، مؤكدةً أن التوتر بدأ في الظهور على مبارك مع اقتراب الجلسة من الانتهاء، وهو ما يجعل نسبة حصوله على مهدئات كبيرة؛ نظرًا لأن المهدئ يكون قصير المفعول، ولا يستمر لساعات طويلة، فتناقص مفعوله مع مرور الساعات على المخلوع.

 

وعن اللغة الجسدية لمبارك تقول إنه ما زال يتمتع بتركيزه كاملاً؛ لنومه واضعاً يده في نفس موضع تعوده عند جلوسه في مباحثات أو مناقشات مهمة، بيده على خده من أول الجلسة، وكذلك عندما طلب منه القاضي الإجابة عن سؤاله أعطى رد فعل سريعًا وطبيعيًّا جدًّا.

 

وتشير إلى حدوث اتفاق مسبق وتدريب عالٍ للرئيس السابق وولديه علاء وجمال، مع المحامين على الثبات الانفعالي، قائلاً إنهم أعطوا ردود أفعال ثابتةً جدًّا عند الإجابة بالنفي على التهم الموجهة إليهم، كما أنهم تدرَّبوا على منع أية انفعالات عاطفية أثناء سرد التهم الموجهة ضدهم، على الرغم من شدة تلك التهم على أي إنسان، لم يعطوا تعبيرًا واحدًا على التأثر منها.

 

وتفسر أن الأخوين تمتعا بتناقض كبير ظهر من طريقة وقفة كلٍّ منهما داخل القفص بجانب والده، فعلاء كان واضعًا يده خلف ظهره؛ مما يعطي معنى استعداده لتلقي أي تهم، وأنها لا تشعره بالقلق، ويوحي بالهدوء النفسي، كما أنه الأكثر قبولاً ورحابةً للتهم، في الوقت الذي وقف فيه جمال ضامًّا يديه إلى صدره (تكتيف اليدين) وهو وضع دفاعي يلجأ إليه الإنسان للدفاع عن نفسه ضد أي اتهامات موجهة له.

 

وتؤكد أن عائلة مبارك استخدمت وضعًا ينمُّ عن الترتيب والإعداد المسبق له، بادخال علاء أولاً ووقوفه في المقدمة أمام والده لحمايته من عيون الكاميرات، حاملاً مصحفًا في يده، كمحاولة لاستمالة قلوب المصريين؛ باعتبار أن علاء الأقرب للمواطنين، موضحةً أنه في حال وقوف جمال في المقدمة كبديل عنه لكان الوضع استفزازيًّا لمشاعر المصريين، ولم يكن يسمح بالتعاطف مع مرض والده.

 

ومتفردًا في بدلته الزرقاء ترى الدكتورة رضوى أن "العادلي" أكثر المتأثرين اليوم بالمحاكمة، خاصةً أنه الوحيد الذي حصل على حكم من قبل؛ لذلك ظهر وكأنه يتعرَّض لعملية إعدام وليس لمجرد محاكمة، فنظرات وجهه وتعبيرات جسده أصدرت إحساسًا كبيرًا بالرعب والصدمة، مضيفةً أن نظراته كانت تشير  بأصابع الاتهام إلى عائلة مبارك، وكأنها هي من أوصلته إلى هذا الطريق، ولسان حاله يقول: "أنا بريء، هم من ظلموني"!!.

 

وتضيف: كما أن وجه "العادلي" كان يصدر مشاعر مرتبكة بين الألم والتماسك، فعلى الرغم من حجم الألم الذي يشعر به، فهو يحاول أن ينفصل عن الإحساس بالرعب والألم والظهور متماسكًا.

 

استسلام وخضوع

ويحلل الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، الحالة النفسية للرئيس المخلوع حسني مبارك خلال محاكمته، قائلاً: "بدا الرئيس المخلوع بعد دخوله مباشرةً مستسلمًا يحاول التواري عن الكاميرات، من خلال وضع يده على وجهه، ثم ظهرت عليه حالة اللا مبالاة طول الجلسة بعد ذلك، لا نستطيع تفسيرها، إلا أنها إما لا مبالاة بهذه المحاكمة أو الاطمئنان من نتيجة الحكم؛ حيث إنه أخفى جميع الأدلة التي تدينه، كما أنه كان لا يستطيع مواجهة الكاميرات أو الحضور، فكان ينظر إلى القاعة بطرف عينيه".

 

ويضيف أنه لم تكن تظهر عليه أعراض المرض والوهن الشديد كما كانوا يصوِّرون من قبل، أو أعراض الاكتئاب؛ حيث كان يتحدث إلى أبنائه والناس من حوله بشكل عادي جدًّا، وعندما نادى القاضي عليه ردَّ ردًّا ثابتًا وبصوت قوي وجيد، ويرجع ثبات تعبيرات وجهه إلى أن الرئيس المخلوع يُعرف بفقر تعبيرات الوجه، بالإضافة إلى كبر السن وسوء الحالة الصحية.

 

 الصورة غير متاحة

جمال مبارك يقف داخل قفض الاتهام أثناء المحاكمة

ويشير إلى أن جمال مبارك حاول أن يظهر بمظهر الصلابة والعناد والإصرار والتعالي والعنجهية، وكان ذلك واضحًا من خلال نظراته ورده على السؤال، كما أن حركته كان تدلُّ على محاولته الدفاع عن نفسه والتحدي، مضيفًا أن أخاه علاء كان قلقًا حزينًا كثير الحركة والنظر للحاضرين بالقاعة.

 

ويفسر حمل علاء وجمال المصاحف أثناء الجلسة بأمرين؛ الأول: هو التماس العون والمساندة من الله عز وجل في ظل مرورهم بهذه الأزمة والمحنة الشديدة، حسبما يظنون، أما الثاني فهو نوع من جذب تعاطف الشعب المصري المعروف عنه تديُّن الطباع وتقديس كل ما له علاقة بالدين والتعاطف مع هذه المظاهر الدينية، مؤكدًا أن المعنى العام لهذين الأمرين هو حاجتهما إلى المساندة والدعم، سواء من الله عز وجل أو الناس.

 

إثارة التعاطف

ويقول الدكتور هاشم البحيري، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، إنه لم يظهر على الرئيس المخلوع حسني مبارك أي مظاهر اكتئاب كما كان يدَّعي محاميه فريد الديب لإثارة استعطاف المصريين له، موضحًا أن مريض الاكتئاب يعاني من رعشة وتوتر في الأطراف، بالإضافة إلى نظرات عين متوترة، وهو ما لم يظهر على الرئيس المخلوع.

 

ويضيف أن مبارك بدا بصحة جيدة، لكنه يعاني من ضعف السمع؛ نظرًا لكبر سنه؛ مما أدَّى إلى قلة تواصله مع الآخرين إلا مع نجله جمال، مشيرًا إلا أنه ظهر بثبات انفعالي جيد كما تمرن عليه خلال سنوات حكمه.

 

 الصورة غير متاحة
أما الابن الأكبر علاء مبارك، فيرى د. البحيري أنه ظهر هادئًا ذا نظرات ثابتة وملامح وجه متحجرة، ولكنه كان أقل ثباتًا من أخيه جمال، وظهر ذلك من خلال حركاته الكثيرة ووضع يده خلف ظهره، كما كان يميل كثيرًا بجسمه للأمام لمتابعة الحضور بالقاعة، سواء من القضاة أو الدفاع أو المدعين بالحق المدني.

 

ويستطرد قائلاً: "يبدو أن جمال وعلاء ما زالا يعيشان في دور أبناء الرئيس؛ حيث حاولا من بداية الجلسة الوقوف أمام الكاميرات حتى يكونا ساترين لأبيهما ليخفوه منها، كما حاولا اللعب على أوتار مشاعر المصريين بحملهما للمصحف بشكل ظاهر للجميع، فهما يستجلبان عطف الشعب المصري بذلك".

 

ويرى أن جمال مبارك تمرن جيدًا على الثبات الانفعالي؛ حيث كان يعده والده لوراثته، وظهر ذلك خلال الجلسة؛ حيث كان أقل توترًا، كما كان يحاول حماية نفسه بـ"تربيع يديه" والتي تسمَّى "حركة الدرع" أو "الستارة".

 

الاختباء

ويشدد الدكتور عماد مخيمر، أستاذ علم النفس بجامعة الزقازيق، على أن رؤية النظام السابق وخاصةً رأسه في قفص الاتهام يحاكمون، يعطي رسالة للجميع بأن "العدل سيأخذ مجراه، والحساب يكون في الدنيا والآخرة"، كما أنه سيحدث هزةً نفسيةً لدى كل القيادات في أي موضع في مصر كلها، إذا حاول التفكير في الانحراف فسيجد نفسه في نفس مكان المخلوع الآن خلف القضبان، لا يجد من يتعاطف معه مطلقًا.

 

وحول رؤيته لوقائع المحاكمة يؤكد أن الضعف والانهيار النفسي بدا واضحًا على مبارك؛ حيث فضَّل أن يظل نائمًا على سرير طبي، على عكس طبيعته وما هو معروف عنه بالنشاط الدائم، كما انتهت مشية الطاووس وتقدم الصفوف الذي كانت تميزه باستمرار، واستبدلت بالاختباء خلف ولديه، والبقاء في الخلف.

 

ويشير إلى أن الأحاديث التي دارت بين مبارك ونجليه كل فترة أثناء المحاكمة، واقترابهم منه، هو بعض الشعور بالاطمئنان الزائف من جانب المحامين الذين أقنعوهم بإمكانية إطالة مدة المحاكمة لسنوات، وبطء العدالة، من خلال المحاولات التي قاموا بها اليوم من طلب إجراءات ودفوع وشهود، في محاولةٍ لإعادة القضية إلى نقطة الصفر مرةً أخرى.

 

لازمة التوتر

ويقول عن الحركة التي رآها الجميع للمخلوع وهو واضعٌ يده على خده وكأنه جالسٌ يستمع باهتمام؛ بأنها إحدى اللوازم التي تحولت إلى عادة له، وهو النوع الذي يظهر دائمًا عند الشعور بالتوتر؛ حيث حاول المخلوع أن يبدو متماسكًا، لكن حركاته الجسدية فضحت الحقيقة، وهي نفس الحالة التي دفعت حسن عبد الرحمن، رئيس مباحث جهاز أمن الدولة، للعضِّ على أصابعه طوال فترة الجلسة، كما صورته كاميرات التليفزيون.

 

 الصورة غير متاحة

حبيب العادلي داخل قفص الاتهام

أما سفاح الداخلية "العادلي" فيقول: إن تعبيراته عند الدخول وتسريحة شعره وحركاته طول الجلسة، تفسر ضعفًا كبيرًا وتوقعًا منه ليلقى حكمًا مضاعفًا لما حصل عليه من قبل، قد يصل إلى الاعدام؛ حيث ظهرت عليه علامات الارتباك و"الخضة".

 

ويشير إلى التأثير الإيجابي لعلنية المحاكمة ومشاهدة المواطنين لرءوس النظام السابق أمامهم في قفص الاتهام، في تخفيف حدة الغضب الذي شعر به الشعب المصري لمدة طويلة، متوقعًا أن يخف الغضب بنسبة كبيرة مع بدايات جلسات المحاكمة، ولن يختفي بشكل نهائي؛ حتى يتأكدوا من سير الثورة في مسارها الصحيح والاتجاه نحو الديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي نادت بها الثورة منذ بدايتها في 25 يناير؛ حيث تعطي المحاكمة إحساسًا بالتوجه نحو دولة القانون التي تحكمها المؤسسات ولا يحكمها الأشخاص.