لاقت مشاهد مثول الرئيس المخلوع أمام محكمة الجنايات داخل قفص الاتهام على سريره اهتمام جميع المصريين، ولكن المشاعر أثناء متابعة الجلسات اختلفت من شخص لآخر، ليكون لها مذاق آخر لدى من عانوا من ظلم حكمه هو وزبانيته، ومن هؤلاء ضحايا التعذيب طوال العقود الثلاثة الماضية، والتي اشتهرت أقسام الشرطة ومقار جهاز أمن الدولة المنحل فيها بالسلخانات؛ حيث إن الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود.

 

وذكر تقرير للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان عام 2009م أنه خلال تسع سنوات (من 2000 حتى 2009م) وقعت نحو 285 حالة تعذيب داخل أقسام الشرطة، ونتج منها أكثر من 118 حالة وفاة!!.

 

وذكر التقرير أنه بالإضافة إلى حالات الاعتقال هناك الاختفاء القسري؛ حيث تم رصد اختفاء 73 شخصًا بصورة قسرية في الفترة بين عامي 1992 و2009م، تمت معرفة مصير 17 منهم فقط، بينما لا يزال 56 شخصًا في عداد المفقودين.

 

وأوضح التقرير أن إجمالي عدد حالات الاعتقال السياسي في مصر وصل في عام 2008م إلى 7555 حالة، كما رصد أكثر من 76 نوعًا من أنواع التعذيب، منها: الخنق بالمياه وتكسير الضلوع والضرب الوحشي والتعرية من الملابس والشبح تحت المطر والحرمان من النوم والتعليق كالذبيحة، وكل أشكال الصلب والصعق بالصدمات الكهربائية والضرب على الوجه والقفا باليد والحذاء والتغمية المتواصلة والتقييد بالكلابشات والإضاءة الشديدة المسلطة على الضحايا ليلاً ونهارًا.

 

وتتعدد الأساليب والقاتل والجاني واحد؛ حيث استخدم رجال العادلي العديد من الوسائل لافتراس الضحايا والقضاء عليها، ما بين الضرب حتى تهشيم الجمجمة كما حدث مع الشهيد خالد سعيد، والذي فجَّرت قضيته قضايا التعذيب على أيدي رجال الشرطة، أو الدهس بسيارة الشرطة مع رضا بكير الذي قتلت عمدًا أمام أعين الناس بالمطرية، والضرب بالرصاص الحي لسائق سيارة أجرة الذي رفض دفع رشوة أثناء مروره عبر كمين بطريق مسطرد؛ فأرداه أحد أفراد القوة قتيلاً برصاصتين في الرأس، والموت حرقًا؛ حيث أشعل أفراد الأمن جسد أحد سائقي التوك توك بعد إغراق ملابسه بالبنزين، هذا إلى جانب السيد بلال الذي قُتل ظلمًا على خلفية قضية تفجير كنسية القديسين، المتهم فيها وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، ويوسف حمدان أبو زهري، شقيق الناطق الرسمي باسم حركة حماس بقطاع عزة سامي أبو زهري في أبريل 2009م والذي قتل بعد تعذيبه بالصعق بالكهرباء؛ ما تسبب في إصابته بنزيف حاد أدى إلى الوفاة.

 

(إخوان أون لاين) حاور عددًا من ضحايا مبارك الذين تم تعذيبهم واعتقالهم بدون أي ذنب ارتكبوه إلا حبهم لهذا الوطن، ليعرف كيف شاهدوا محاكمة الرئيس المخلوع حسني مبارك ونجليه جمال وعلاء.. فإلى التفاصيل:

 

قبل قرابة الشهرين أفرجت عنه أجهزة الأمن المصرية بعد 31 سنة قضاها خلف الأسوار، بدأت باعتقاله عام 1979، ثم إقحام اسمه في قضية اغتيال السادات وهو داخل السجن عام 1981، وحكم ثالث ظالم بمجموع أحكام وصل إلى 53 عامًا.

 

البداية كانت مع نبيل المغربي، أقدم سجين سياسي في مصر، الذي أجريت له عملية جراحية بسبب تعذيب أعوان مبارك له داخل السجن، وإصابته بجرح لم يلتئم منذ 13 سنة، حتى اكتشف الأطباء مؤخرًا أن الجرح أدى إلى الإصابة بورم في الجبهة، ولم تمنعه العملية من متابعة جلسات المحاكمة.

 

يقول: جلسات المحاكمة لم تقنعني من بداياتها نهائيًّا أنا وجميع من حولي، ولم تشف صدور ضحاياه، مشيرًا إلى معاناته من التعذيب والإجرام في مختلف أجزاء جسده، خاصةً بعدما أصاب المرض والضعف كل أجهزة جسمه ودمرها.

 

ويتابع: فنظام مبارك ما زال يتحكم في كل شئون الدولة، بما فيها محاكمته، التي تتم بالقوانين التي وضعها هو بنفسه، والنائب العام الذي حقق في القضية وهو معيّن من قبل مبارك، واصفًا قرار منع بث المحاكمات على الهواء بأنه "زاد الطين بلة"؛ حيث لم يعتبر أن البث التليفزيوني سيمنع المتواطئين معه من إكمال مسلسل محاكمته كما يشاءون.

 

ويضيف أنه من المثير للسخرية التمثيلية التي فشل مبارك في أدائها من داخل القفص، فعلى النقيض من إصراره حتى اللحظة الأخيرة على خلعه من منصبه، كان مصرًّا على البقاء في الحكم 6 أشهر أخرى، والآن يخرج أمام الجميع مدعيًا المرض، فكيف تدهورت حالته الصحية بشكل مفاجئ؟!

 

ويوجه حديثه إلى المشفقين على الرئيس المخلوع والمطالبين بالعفو عنه قائلاً: انظروا إلى آلاف المسنين والمواطنين المصريين الذين عمل مبارك على مصّ دمائهم، وذاقوا أشد العذاب، وحتى الآن لم يحصلوا على حقوقهم، أو الأموال التي تمت مصادرتها منهم، مضيفًا وهو لم يعذب المصريين وحدهم ويلصق بالشعب العار من سياساته، بل طال استبداده الشعب الفلسطيني المحتل.

 

ويؤكد أن اقتناعه بنزاهة القضية لن يتحقق إلا بالعلانية الكاملة للمحاكمة، من خلال قوانين مختلفة عن التي صاغها مبارك، ومحاكمة خاصة به على كل ما قام به من جرائم في سنوات حكمه كاملة، موضحًا أن هذا لن يحدث إلا بتغيير النظام كله، وإعادة ما سلبه من حقوق هو وعصابته والأموال التي نهبها من عرق ودماء الشعب.

 

وحول رد الاعتبار المناسب الذي يراه يقول: أحتاج إلى أن يتوقف حرماني من ممارسة الحقوق السياسية حتى الآن، وأن تعلن الحقيقة وبطلان أوراق ومحاضر أمن الدولة في حقي أنا وجميع المظلومين، مشددًا على أن مبارك إذا تمكن من الإفلات من محاكمة البشر، فلن يفلت من عقاب الله له.

 

سجن "أبو غريب"

 الصورة غير متاحة
ويرى أحمد عبد الحفيظ، المعتقل ظلمًا لأكثر من 16 سنة، أن المحكمة التي تنظر قضية مبارك لا يمكن أن تكون عادلة، فالفارق كبير في المعاملة التي يتلقاها محامي مبارك، وعما يجده محامو الشهداء، التي وصفها بأنها سيئة جدًّا.

 

وعن قصة اعتقاله يقول: اعتقلتني مباحث أمن الدولة عام 1992م لمدة شهرين من المسجد الذي كنت أصلي فيه، وهي التهمة التي وجهوها لي، وفي عام 1993م تم إحالتي إلى محاكمة عسكرية، بتهمة الانضمام لجماعة طلائع الفتح، وصدر حكم ضدي بـ16 سنة، ذقت فيها من العذاب والتنكيل على أيدي مجرمي مبارك، مثلما كان يحدث من المحتل الأمريكي مع المعتقلين في سجن "أبو غريب" في العراق.

 

"فكنت أتنقل بين السجون شديدة الحراسة في مصر، "العقرب، الفيوم، أبو زعبل"، وتعرضت للحبس الانفرادي لمدة 7 سنوات، منعت خلالها إدارة سجن "أبو زعبل" الزيارة عني بالكامل، و3 سنوات أخرى منعت عني الزيارة بسجن "الفيوم".

 

ويشير إلى إحدى ذكرياته المظلمة داخل المعتقل التي تذكرها بعد رؤية مبارك في قفص الاتهام، وهي الحادثة التي فوجئ خلالها هو وجميع المعتقلين عام 94 بفتح الزنازين وإخراجهم كلهم وتجريدهم من ملابسهم، وإلقائهم على الأرض، وضربهم جميعًا بمختلف الأشكال، ويومها قُتل أحد إخواننا الذي كان محبوسًا حبسًا انفراديًّا لمدة طويلة، ولم نعلم حتى هذه اللحظة سبب وفاته.

 

ويقارن بين وضع المحاكمة العسكرية التي تعرض لها ظلمًا ومحاكمة مبارك القاتل والخائن للشعب، فيروي أنه كان يحاكم هو ومئات آخرون في قفص ضيق جدًّا، "وأثناء المداولة لم نكن نتحرك منه أيضًا حتى للذهاب إلى دورة المياه الذي كان يحتاج إلى إذن من القاضي"، على خلاف ما نرى عليه مبارك ونجليه؛ حيث يخرجون من القفص بمجرد رفع الجلسة للمداولة، مشددًا على أنه على الرغم من عدم وجود أي أدلة ضدهم في المحاكمة العسكرية لم تطل القضية عن شهرين وصدر الحكم فيها، وكان من ضمنها 8 أحكام بالإعدام!.

 

ويضيف: أما مبارك الذي يعلم العالم كله جرائمه ولا تخفى على أحد يحاكم منذ مدة طويلة، أمام قضاء مدني طبيعي، ويتم تأجيل الجلسات لعدة مرات، كما تأخرت إحالته إلى القضاء، ويقول: إن الحل الأمثل حتى يتحقق العدل في هذه القضية أن تكون أمام محكمة خاصة به بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، وتوجه له تهمة الخيانة العظمى للبلد وللشعب، ويحاكم عسكريًّا، مؤكدًا أن المحاكمة العادلة هي السبيل الوحيد ليشعر بأنه حصل على جزء من حقه؛ لكن المشكلة تظهر في ضعف الأدلة المجموعة ضده والتي يمكنه التخلص منها ببعض الثغرات في القانون.

 

ويشير إلى أن قرار منع البث التليفزيوني قد يدخل في إطار تحقيق الصالح العام فعلاً، أو قد يكون إحدى الكلمات الكبيرة الواسعة التي تطلق بشكل ما، كما كان النظام السابق يوجه لنا تهمًا بـ(الإرهاب) بدون تحديد معنى له بغرض التلفيق.

 

شفاء للصدور

سليمان عبد الله تعرض لمحاكمة عسكرية في عام 1997م وحصل على البراءة، إلا أن جهاز أمن الدولة المنحل الحامي لنظام الرئيس المخلوع، رفض الاعتراف بهذا القرار وظل يعتقله بشكل غير مبرر حتى عام 2008، بدون إطلاق سراحه ولو لمرة واحدة، خلال الأحد عشر عامًا، ويقول: "وجه إليَّ أمن الدولة اتهامات بالانتماء لتنظيم الجهاد، وقلب نظام الحكم، وعمري لم يكن يتعدى الـ17 سنة وقتها، كنت في السنة الثانية من الدبلوم".

 

ويضيف: قبضوا عليَّ وأنا في المنزل، وسجنت 11 سنة زورًا؛ لأني كنت أحضر مجموعة الدروس لبعض الشباب، عن الفقه والعقيدة وتأتي في الراديو، وكانت دروسًا طبيعية جدًّا؛ كل من أراد تعلم دينه لا بدَّ أن يعرفها ليس أكثر.

 

وتعرضت لأقصى أنواع التعذيب أثناء السجن، أقلها التجريد من الملابس والضرب لساعات متواصلة، ونحن معصوبو العينين وموجهون إلى الحائط، بالأرجل والعصي، والتعذيب بالكهرباء والإجبار على الزحف على الأرض، كما كانوا يقطعون المياه لأيام متواصلة، ونمنع من الخروج إلى الشمس لشهور، أو الذهاب إلى دورة المياه، ولم أر أهلي في زيارات إلا مرات معدودة طوال سنوات الاعتقال من خلال السلك الفاصل.

 

وعن السجون التي اعتقل فيها، يقول إنه تنقل بين كل السجون شديدة الحراسة؛ على اعتبار أنه ومن معه في القضية خطر على المجتمع، وقد نتمكن من الهرب، ما بين "استقبال طره، دمنهور، الفيوم، أبو زعبل".

 

"شفاء للصدور" هو شعور سليمان عند رؤية مبارك داخل القفص، موضحًا أن أحد المصريين عندما قال لمبارك مرة "اتق الله وأخرج المعتقلين من السجون"، أحضروا الرجل من السعودية من الطائرة على المعتقل لـ13 سنة متواصلة.

 

ويذكر موقفًا لأحد السجناء الذي كان يعاني من أمراض شديدة، وعندما تألم كثيرًا طلب زملاؤه من الشاويش أن ينقله إلى الطبيب، فرفض وقال" لما يموت اندهولي".

 

ويستنكر إلغاء البث المباشر للمحاكمات الذي كان يشعر المصريين بالطمأنينة إلى سلامة المحاكمات، ويجعلهم على دراية بتفاصيلها ولا يتشككون ما داموا يسمعون دفاع المدعين وكلام الشهود، معتبرًا أنه كان مسكنًا للثوار في البداية.

 

ويوضح أن العقوبة التي تجعله يشعر بأن بعض حقه عاد إليه، هي أن يحكم ضده بالـ11 سنة التي سُجنتها أنا، ونجمع عقوبات كل المعتقلين الذين اعتقلهم ظلمًا وبدون وجه حق ويحكم عليه بها، بالإضافة إلى أي معاناة تعرض لها أحد أفراد الشعب يحاسب عليها، كالفقراء الذين لم يجدوا طعامًا لأسرهم؛ حيث يكون الحكم "النفس بالنفس".

 

ويتابع: أما أنا شخصيًّا فترضيني العقوبة التي قالها الله تعالى في القرآن: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)) (المائدة)، وتكفيني مشاهدته في القفص، وسأقتص حقي منه أمام الله عندما آخذ من حسناته وأعطيه من سيئاتي.

 

سنة الله

 الصورة غير متاحة
أحد هؤلاء الضحايا المواطن نصر السيد حسن الذي اعتقلته قوات أمن مبارك في أبريل عام 2010م بدون أي سند قانوني، ولكنها لم تكن المرة الأولى التي يتم فيها اعتقاله؛ حيث كانت المرة الأولى سنة 1995م، وفي كل مرة تقتحم منزله وتروّع أهله بادعاء انتمائه لجماعة محظورة، ومساندة أهل غزة الذين شارك النظام المخلوع في حصارهم وقتلهم لأكثر من 5 سنوات.

 

يروي الشيخ نصر قصته مع سجون الطاغية مبارك قائلاً: تم اعتقالي 3 مرات في عهد النظام المخلوع، قضيت الأولى سنة 1995م في سجن الأبعدية بدمنهور، الذي يوصف بأنه شديد السوء؛ لما كنا نعاني فيه من تعذيب وإهانات متواصلة، تبدأ بحفل الاستقبال الذي كان عبارة عن ضرب وخلع ملابس، بالإضافة إلى احتجازنا في زنزانة ضيقة جدًّا على الرغم من كثرة عدد المعتقلين بها، ولا يوجد بها أي مقومات للحياة".

 

ويضيف: "أما المرة الثانية فكانت عام 2000م، كنت زائرًا فيها لسجن طره لمدة 3 أشهر، ثم جاء عام 2010م لأمر بأسوأ تجربة اعتقال في حياتي؛ حيث تم احتجازي بعد أن دهمت قوات الأمن منزلي، ووضعوني في زنزانة مظلمة ووضعوا على عيني عصابة وتركوني بلا طعام لمدة يومين، ثم نقلوني إلى مقر جهاز أمن الدولة بمدينة نصر؛ لتبدأ رحلة التعذيب الذي لا يستطيع أن يتحمله بشر، تبدأ بسباب وشتائم، ثم التجريد من الملابس والتقييد بالكلابشات ليلاً ونهارًا، وكان دخول الحمام بمواعيد، هذا إلى جانب الصعق الكهربائي والضرب بالحذاء على الوجه وربط اليدين والرجلين بالسرير، وتسليط الإضاءة الشديدة ليلاً ونهارًا للتأثير في الأعصاب، والوقوف على القدمين، والألم النفسي من جراء سماع صوت أنات وصرخات واستغاثات المعذبين طوال الـ24 ساعة خلال الـ60 يومًا التي قضيتها".

 

ويشير إلى أنه على الرغم من عدم التحقيق معه طول فترة اعتقاله، فإنهم وجهوا له تهمًا بمساعدة أهالي غزة المحاصرين وتمويل فصائل فلسطينية هناك، موضحًا أن اعتقاله جاء بعد ضرب الكيان الصهيوني لأسطول الحرية الذي كان يهدف لكسر الحصار عن غزة، ثم توجهت أنظار العالم إليها، وحاول الجميع توصيل مساعداتهم لأهالي المدينة المحاصرة، لتضع النظام البائد في موقف لا يحسد عليه، وهو ما جعله ينتقم من كل من يحاول توصيل هذه المساعدات للأشقاء الفلسطينيين.

 

ويستطرد الشيخ نصر قائلاً:" وتطبيقًا لسنة الله عزَّ وجلَّ في خلقه، وفضلاً عن قوانين العدالة الإلهية، وضع سجان الأمة في سجونه وحصلنا نحن على البراءة بعد كل أشكال الظلم التي تعرضنا لها خلال العقود الثلاثة الماضية، فالفساد والجرائم التي ارتكبها الطاغية مبارك وأعوانه لم تكن فقط قتل المتظاهرين في ثورة 25 يناير، وإهدار المال العام أو تصدير الغاز للكيان الصهيوني، ولكنها جرائم طالت الشعب المصري كله، ونالت منه بجميع وسائل التعذيب والتجويع والسرقة، وتجب محاسبته على كل هذه الجرائم التي يستحق فيها تنفيذ حكم الإعدام، ويجب ضم جميع قضايا القتل التي ارتكبها هذا النظام الفاسد خلال سنوات حكمه العجاف إلى القضية المنظورة حاليًّا".

 

ويرى أن بطء سير محاكمات رموز نظام مبارك المخلوع لا ترقى إلى عظمة الثورة المصرية المباركة، التي قامت من أجل تحقيق العدالة الناجزة، متعجبًا من سرعة صدور الحكم على أمين الشرطة في قتل المتظاهرين، بينما تتم المماطلة في قضية مبارك ونجليه ووزير داخليته حبيب العادلي.

 

ويؤكد أنه لن يترك حقه أبدًا وسيتخذ جميع الإجراءات القانونية لملاحقة الظالمين، مبينًا أنه تقدم بدعوى بعد خروجه من المعتقل مباشرة؛ لكنه لا يعلم حتى الآن مصيرها، على الرغم من اندهاش النائب العام من وسائل التعذيب عندما كان يرويها له، وكأنه لا يعلم أن جهاز أمن الدولة أكثر وحشية من الموساد الصهيوني والاحتلال الأمريكي بالعراق وأفغانستان.

 

أما الشيخ مسعد الشافعي الذي رافقه طوال مدة محبسه الأخيرة، فيصف هذه الفترة بأنها فوق الخيال، فلا يستطيع أحد أن يتحمل ما وجده من تعذيب وإهانة، موضحًا أنه ما زال يحاول أن ينساها ويمحوها من ذاكرته؛ حيث تلاحقه ذكرياتها الأليمة حتى الآن في يقظته ومنامه.

 

ويشير إلى أن رؤية الرئيس المخلوع داخل قفص المحكمة ضمدت الكثير من الجراح التي تسبب فيها جلادو النظام البائد، مؤكدًا أنه كان يخشى قبل الثورة أن يتقدم ببلاغ ضد حبيب العادلي، وحسن عبد الرحمن، رئيس جهاز أمن الدولة المنحل؛ خوفًا من استمرار الملاحقة والبطش الأمني الذي كان يُمارس ضد أي مواطن مصري لا حول له ولا قوة.

 

ويوضح أن هناك عددًا كبيرًا من المعتقلين لاقوا حتفهم على أيدي جبابرة الداخلية، مضيفًا أنه لا أحد يعلم حتى الآن العدد الحقيقي لشهداء الجهاز المنحل، فيكفي أنه تم اعتقال أكثر من 48 عضوًا من الجماعة الإسلامية ليموت منهم 18 خلال شهر واحد، هذا إلى جانب الإصابات والعاهات المستديمة والعجز الذي تسببه مناهج التعذيب التي يتبعونها لإجبار الضحية على الاعتراف بما لم بفعله.

 

ويتابع قائلاً: "كانوا يعملون على محو أي أثر لجرائمهم؛ حيث كان هناك كشف طبي يوميًّا بشكل دوري علينا أثناء الاعتقال، لمعالجة الإصابات والجروح الناتجة من التعذيب، كما أنهم لا يفرجون عن أي معتقل إلا بعد التأكد من شفائه من كلِّ الإصابات".