في السادس من سبتمبر سنة 1970م سافرت للعمل مدرسًا بالكويت معارًا من الحكومة المصرية، وانتُدبت للعمل بقسم اللغة العربية بجامعة الكويت لتدريس الثقافة الإسلامية واللغة العربية لغير الناطقين بها، كان القسم- الذي يرأسه الأستاذ عبد السلام هارون- يضم أساتذة عظامًا منهم: د. شوقي ضيف، د. عبد الهادي محبوبة، وزوجته الشاعرة الناقدة نازك الملائكة (عراقيان).

 

وفي 28/ 9/1970م مات عبد الناصر بعد أن أغرق الشعب في نكسة، بل نكبة، تتمثل في الهزيمة النكراء في الخامس من يونيو سنة 1967م، وسافرنا إلى الكويت نلعق مرارة الهزيمة، ولم نكن نملك من القدرات ما يمكِّننا من أن نتصدَّى للصحفيين الذين كانوا ينظرون للمصريين باستعلاء، فكتب أحدهم في صحيفته الصفراء: ".. وكم نعاني من زحف العمالة المصرية.. ولم يبقَ إلا أن يزحف إلى الكويت حكامهم ووزراؤهم للتعاقد معنا".

 

وفي عصر السادس من أكتوبر سنة 1973م فوجئنا بالنبأ الذي شدَّنا من القاع إلى الشموخ والعلاء، فقد استطاع الجيش المصري البطل أن يحطِّم قوة العدو، ويحرِّر الضفة الشرقية للقناة، ويحطِّم أسطورةً اسمها "خط بارليف".

 

وخط بارليف- وهو أقوى خط دفاعي في التاريخ الحديث- يبدأ من قناة السويس وحتى عمق 12 كم داخل شبه جزيرة سيناء، على امتداد الضفة الشرقية للقناة، وهو من خطين: يتكون من تجهيزات هندسية ومرابض للدبابات والمدفعية، وتحتله احتياطيات من المدرعات ووحدات مدفعية ميكانيكية، بطول 170 كم على طول قناة السويس، بعد عام 1967م قامت إسرائيل ببناء خط بارليف بناءً على تخطيط حاييم بارليف، رئيس الأركان الصهيوني، في الفترة ما بعد حرب 1967م؛ من أجل تأمين الجيش الصهيوني المحتل لشبه جزيرة سيناء.

 

وفي انتصار جيشنا نظَّمتُ قصيدةً طويلةً، منها الأبيات الآتية:

وأصبح سبتُ القوم بحرًا من الدما = وصار لنا في السبت عيدٌ هو النحرُ

ومن لم يمت بالنار أرداه رُعبُهُ = ومن لم يفزْ بالفَرِّ أقعده الأسر

"سلوه "يا جوري" إذ تبخر كِبْرُه = فسلم في ذل يمزقه الذعرُ

وما هي إلا ساعةٌ بل سُوَيْعة   =    وأذن داعي الحق "قد حُقق النصرُ"

وغمرت الفرحة كل مصري وكل عربي، وتحولت نظرة الكويتيين للمصريين إلى الإعجاب والتقدير، وواصلت الإذاعة الكويتية بث الأحاديث والأناشيد الحماسية، ولا أنسى حديثًا إذاعيًّا للأستاذ علي الطنطاوي- رحمه الله- يقول فيه: "... لقد استطاع الأبطال المصريون- بسلَّم بدائي تكلفته ثلاثون دينارًا- أن يركبوا ويحطِّموا حصنًا صهيونيًّا دفاعيًّا عاتيًا، كلفهم 300 مليون دولار اسمه: خط بارليف...".

 

أما أنا فشعرت أنني ولدت من جديد، وتحولت إلى ألف صوت يملأ الأجواء شدوًا رنانًا: "أنا مصري.. والله أنا مصري"، وانطلقت بسيارتي ساعةً وبعض ساعة في شوارع الكويت وكل دوَّاراتها.. الدوّار الأول.. الثاني.. الثالث.. إلى أين؟ لا أدري، وشعرت أن سيارتي- من فرط سعادتي- قد ضاقت عليَّ، فتمنيت أن يبدلني الله بها جناحين أحلق بهما، وأطوِّف بهما- من علٍ- على العالم كله، وأنا أشدو بصوت رنان: "أنا مصري.. والله أنا مصري.. مصري.. مصري".

-----------

* [email protected]