أكد الدكتور محمد مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة، أن حزبه لم يسع للقفز على السلطة، وإنما يعمل فقط من أجل بناء التجربة الديمقراطية في مصر.

 

وقال في حواره مع جريدة (الأهرام) في عددها الصادر اليوم: إن قراءة المشهد الانتخابي في الجولة الأولى علي النحو الذي بدأ عليه يؤكد أن هناك حالة تربص بالحزب، مشيرًا إلى أنه من حقِّ كل حزب أن يدافع عن وجهة نظره وأفكاره ومعتقداته والمنهج الذي يسير على دربه، ولا نلوم أحدًا على ذلك.

 

وإلى نص الحوار..

* المخالفات التي ارتكبتها التيارات الإسلامية خلال أحداث المعركة الانتخابية مهدت لكم الطريق للفوز بنصيب الأسد في الجولة الأولى؟

** أود تأكيد حقيقة مفادها أن حزب الحرية والعدالة يعمل وفق منهج علمي واقعي، ويُحَدِّث ويطور من أفكاره في ضوء ما تقتضيه الظروف الراهنة، وهذا ما دفعه صوب تصدر المشهد الانتخابي.. لأننا اعتدنا على العمل وسط الناس، ننزل إليهم ونتفاعل مع مشاكلهم، ونضع لها الحلول قدر المستطاع.. حتى شيدنا جسرًا صلبًا من المصداقية، وهذا رسخ أقدامنا على طريق المعركة الانتخابية، وجعلنا نخوضها عن يقين بأن جهودنا التي بذلناها لن تذهب سدى، حزب الحرية والعدالة لا ينظر خلفه وإنما دائمًا بصره متجهًا إلى عمق المستقبل، نقرأ جيدًا التفاصيل التي يحتويها.. عملنا بين الناس لم يكن وليد اللحظة ولكنه تحقق عبر سنوات من العمل المنظم والصادق والمخلص من أجل بناء وطن متكامل العناصر وراسخ البنيان.. كنا نؤمن بأن هناك يومًا سوف يأتي وتعاد الأمور لنصابها الحقيقي، ويعيش المجتمع تجربة ديمقراطية حقيقية.. تلك التجربة بدأ يتجسد واقعها في الانتخابات البرلمانية التي انطلقت في مشهد مهيب، هذه هي الصورة الحقيقية لتيار أخلص في العمل وظلَّ قويًّا صلبًا لم يكسره النظام السابق رغم محاولاته المتكررة.. تيار على هذا النحو الذي بدأ فيه متلاحمًا مع الناس في كلِّ مكان يعايش واقعه.. ليس في حاجة لأن يلجأ لأدوات تخالف القانون.. من حقنا العمل على الوصول للناس بأي طريقة ما دمنا لم نخالف القانون أو نتجاوزه.

 

* التيارات الليبرالية اعتبرت الأدوات التي تم الاعتماد عليها مخالفة للقانون؟

** حق يراد به باطل.. من حقِّ كل حزب أن يدافع عن وجهة نظره وأفكاره ومعتقداته والمنهج الذي يسير على دربه ولا نلوم أحدًا على ذلك.. فالمجتمع الآن أصبح مفتوحًا أمام الجميع للحديث دون قيد أو شرط.. لكن ليس بالضرورة كل ما يقال يصيب كبد الحقيقة, فالقول أبعد ما يكون عن ذلك.. فمنذ بدء انطلاق الخطوة الأولى للمعركة الانتخابية هناك التزام كامل بكلِّ القواعد المقررة والقوانين المنظمة، ودعني أعود لشعار الإخوان المسلمين "الإسلام هو الحل" بالرغم من تمسك الجماعة به كعنوان شامل لمنهج متكامل للإصلاح والتنمية والنهضة.. فإننا عندما وجدنا أن البعض يحاول استغلاله على نحو سيئ، ويصورنا أمام الرأي العام على أننا نخالف القانون عمدًا على الرغم من أن ذلك ليس فيه أدني مخالفة.. تحاورنا مع التحالف الديمقراطي وكان شعارنا نحمل الخير لمصر، حزب الحرية والعدالة يؤمن بأن العمل السياسي قوامه المعايشة والتفاعل مع الناس وليس شيئًا آخر.. من حقنا تطوير وسائلنا في الوصول إلى الناس وإذا كان الآخرون لديهم القدرة على العمل بوسائل وأساليب أفضل فلماذا لا يلجئون إليها.. نحن لم نقف ضد أي من التيارات السياسية.. حتى نحول دون وصولهم للناس أعتقد أن الطريق مفتوح للجميع دون قيد أو شرط، وليس من حق أحد استخدام آلات الميديا لتشويه جهودنا في التعامل مع المعركة الانتخابية ومحاولة إقناع الناس بأن ذلك مخالف للقانون.. نحن لا يمكن أن نشارك في أي عمل مخالف لإرادة الناخبين.

 

* تعتقد أن الأحزاب الليبرالية تسعى جاهدة لتشويه صورة التيارات الإسلامية أمام الرأي العام؟

** قراءة المشهد الانتخابي في الجولة الأولى على النحو الذي بدا عليه يدفعني إلي يقين بأن هناك حالة تربص بحزب الحرية والعدالة، وإلا فليأت صاحب رأي ليقول لي ما التفسير المؤكد لحالة الهجوم التي جاءت ضاربة ومزيفة للواقع الذي نعمل فيه، واختلقت روايات لا سند لها من الصحة، وقد حاول بعض رجال الأعمال وفلول الحزب الوطني وبعض التيارات السياسية الأخرى التي تملك المال وآلات الميديا شن حملة إعلامية منظمة لتشويه صورة التيارات الإسلامية على نحو يدعو للخجل.. لكن الناس لم يعد ينطلي عليهم تزييف الحقائق, وبات لديهم الوعي الذي يستطيعون من خلاله الحكم على الأشياء ووضعها في نصابها الحقيقي.

 

هناك بعض التيارات السياسية التي تحاول تجنيد كل قوتها للتقليل من شعبية حزب الحرية والعدالة الذي أنشأه الإخوان المسلمون لكلِّ المصريين طوال الفترة الماضية، مستغلة في ذلك مواقف الحزب الوطنية صوب التعامل مع الأحداث التي يمر بها المجتمع وزايدت على وطنيتنا.. ربما تبلغ الهدف والمقصد, ولكن إيماننا يزداد قوة وصلابة، ولم تنكسر إرادتنا على صخرة ذلك الهجوم.. مضت الخطوات أكثر قوة.. كنت أتمنى أن تنتهج تلك الأحزاب والتيارات منهجًا مختلفًا تصل به إلي الناس بعيدًا عن تدبير المؤامرات والإقدام على تشويه صورة حزب الحرية والعدالة، وتحاول جاهدة الوصول إلى الناس والتخلص من ماضيها الذي يعكس إيقاعًا تشابه مع إيقاع النظام السابق, وتبني كيانها وتستمد قوتها من الشارع السياسي، وتعمل على إعادة صياغة أفكارها وأهدافها التي لم تعد تلبي طموحات المرحلة الراهنة.

 

* يسكن البعض يقين بأن التيارات الإسلامية تتوق للقفز على مقاليد الحياة السياسية؟

** نعود ونجدد ما قلناه مرارًا وتكرارًا بأن الحرية والعدالة يعمل في الحياة السياسية ليقدم نموذجًا يحتذى به في العمل الحزبي المنظم، والقدرة على التواصل مع الناس، والتعايش مع مشكلاتهم، والصدق في التعامل مع القضايا.. نعمل من أجل تحقيق ذلك على أرض الواقع دون أدنى طموح سياسي، نحاول عبره السيطرة على مقاليد الأمور السياسية.. كما يردد البعض ويعمل على الترويج له.. هذه بلدنا التي نعمل من أجلها مخلصين لها، التيارات السياسية التي تروج لدى الرأي العام إلى ذلك، وتحاول تصوير سياسات الحزب والإخوان المسلمين على أنها سياسات كارثية تدفع المجتمع نحو الخطر, لديهم مآرب إثر ما يروجون له، ولو كانت تلك التيارات تستطيع العمل وتنظيم صفوفها على نحو جادٍّ ما لجأت إلى تلك الدعاية الرخيصة؛ لتزيف بها طيب الغاية وحسن المقصد.

 

ليس لدينا ما نواريه عن الناس.. فنحن نعمل من أجلهم ونحصد ما نزرعه بينهم، ولو أخلصت الأحزاب والتيارات الأخرى النيات لكان لها مساحة وجود بين الناس.. نحن لسنا مسئولين عن فشل الآخرين، ولن نكون الشماعة التي يعلق عليها البعض فشلهم وقصر بصيرتهم.. لا يجوز أن يرتكن البعض ويفسروا عملنا الدءوب بين الناس على أنه رغبة وطموح في السيطرة على مقاليد الحياة السياسية.. فهذا ليس الغاية أو المقصد.. مع إعلان النتائج في المرحلة الأولى يظهر واضحًا أن البرلمان القادم سيكون برلمانًا متوازيًّا يعبر عن كافة ألوان الطيف السياسي، ونحن نتحالف مع عشرة أحزاب، وهذا التحالف هو الوعاء الوحيد لنا في الانتخابات.

 

* تخشى التيارات الإسلامية إعادة تنظيم الأحزاب الليبرالية صفوفها في المرحلتين المقبلتين من الانتخابات؟

** الساحة مفتوحة أمام الجميع لينالوا فيها ما يحلو لهم, وقد تعودنا عدم التدخل في شئون الآخرين وأسلوب عملهم ما دام يحظى بالمشروعية.. نحن نعمل ونريد للآخرين العمل, ولن نقف في وجه أحد ونتصدى له باستخدام أساليب دعائية مضللة كما كان يفعل النظام السابق مع جماعة الإخوان المسلمين وغيرها، وتصويرهم على أنهم كارثة تجثم على أنفاس المجتمع، لن ننزعج إذا ما أقدمت الأحزاب الليبرالية على تنظيم أنفسها فيما تبقي من المعركة الانتخابية.. فهذا شأن خاص بهم ولا يحق لنا التدخل فيه تحت أي مسمي, فأهلا بكلِّ تيار سياسي لديه القدرة على المنافسة والعمل بين الناس.. فالساحة السياسية في ذلك التوقيت تحتاج إلى تيارات كثيرة قوية وفاعلة ومؤثرة.. فبناء الدولة الوطنية الديمقراطية الدستورية الحديثة لن يتحقق إلا في ضوء تعدد التيارات والاتجاهات.. المجتمع لن يعود إلى الوراء ويتاح لتيار سياسي منفرد السيطرة على مقاليد الأمور.. هذا تصور قاصر لن يقبله الواقع والمجتمع.

 

أتصور أن الأمور تسير في مجراها الحقيقي وعلى الأحزاب السياسية جميعًا إعادة ترتيب أوراقها وفق المعطيات الراهنة، وكم كنت أود أن تدخل كل الأطياف السياسية في تحالفات كنسيج واحد.. لكن ما زالت لدينا معضلة أساسية في قراءة الواقع السياسي الجديد الذي طرأ على المجتمع، ولم تتمكن بعض من التيارات قراءته جيدًا، والاطلاع على ما يحتويه من تفاصيل، ولو تمكنوا لاختصرت الحركة السياسية والحزبية رحلة طويلة للوصول إلى مرحلة النضج ،وتجاوزنا كل الخلافات والصراعات الواقعة جراء منافسة قوية على حصد مقاعد البرلمان، إن هناك من يريد العمل وفق رؤيته الخاصة ولهم ما أرادوا.

 

* تزداد مخاوف التيارات الليبرالية جراء استمرار الإسلاميين في ممارسة مخالفة القانون فيما تبعه في المعركة الانتخابية؟

** نضع قواعد صارمة للتعامل مع معطيات العملية الانتخابية وتسير في ركابها.. تلك القواعد لا تحتوي على ما يخالف القانون أو ينتهك سيادته.. نحن نقدم نموذجًا للناس والأحزاب.. لا يوجد فيه ما يسيء إلى التجربة الديمقراطية.. البعض تسير خطواتهم بصورة عشوائية وتأتي النتائج غير مرضية لطموحاتهم ويصبون جام غضبهم صوب تيار منظم عقد العزم منذ القدم على ألا يتخلى عن منهجه ومصداقيته.

 

لدينا جهات تحقيق منوط بها أداء تلك المهمة، ومن يملك دليلاً على تجاوز قد وقع من الحرية والعدالة فعليه أن يضعه في حوزة تلك الجهات لتحقق فيه، لا نريد كلامًا مرسلاً لا يقر واقعًا وإنما يهدف إلى تشويه مساحة وجودنا في الشارع السياسي، وهذا مبدأ مرفوض ولن نقف صوبه مكتوفي الأيدي.. فنحن لم نخالف القانون في المرحلة الأولى من الانتخابات حتى نخالفه فيما تبقى منها.. لا أملك تصورًا محددًا استطاع هؤلاء أن يبنوا عليه مخالفتنا للقانون.

 

الشعب بات واعيًا ولم يعد ينطلي عليه زيف الشعارات والوعود الكاذبة، فقد سئم تلك الأوضاع ولن يعود للوراء حتى يقبل بها.. ليس مقبولاً القيام بمحاولات تهدف إلى تشويه حقيقة تواجدنا بين الناس والوصول إليهم في كل مكان على أنه نوع من التضليل والتأثير فيهم.. ليس هناك وقت نضيعه في أقاويل واستغلال شائعات لشقِّ وحدة الصف وخلخلة بنيان المجتمع تحت مسميات زائفة، فنحن نحرص على مصلحة المجتمع وتماسكه.

 

* الأحزاب الإسلامية تسير على نهج مختلف يدفعها نحو عدم الانخراط مع التيارات الليبرالية في عمل سياسي وفق ما تتطلبه المرحلة الراهنة؟

** أطلقنا الدعوة منذ اللحظة الأولى مطالبين كل القوى والأحزاب للالتفاف حول الوطن صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وفتحنا الأفق الرحبة دون قيد أو شرط لنعبِّر عن مكون الرغبة بأن المرحلة الراهنة تتطلب وحدة الصف وتجاوز كل العقبات واختلافات الرؤى، وهناك من استجاب واختلف من اختلف وكل له أسبابه التي بنى عليها موقفه، ولا نلوم أحدًا، وهذا ما أدى إلى تلك الصورة التي نراها الآن في المشهد الانتخابي.

 

لو لم يكن حزب الحرية والعدالة مؤمنًا بضرورة التحالفات السياسية والانتخابية ما كان دعا إليها، وما كتب الاستمرار فيها مع عشرة أحزاب تخوض المعركة الانتخابية تحت مسمى واحد وغاية واحدة.. لدينا إيمان بأن بناء هذا المجتمع وترسيخ الديمقراطية فيه لن يتحقق إلا بتلاقي الرؤى والأهداف، ولو كانت التيارات التي انسلخت منه تؤمن بأهميته في هذا التوقيت الفاصل ما أقدمت على ذلك ولتجاوزت نقاط الخلاف التي دفعتهم للخروج.. لا يمكن أن نعمل بمعزل عن كل القوى والتيارات السياسية.. فهؤلاء جزء أصيل من نسيج المجتمع ولا يحق لأحد استبعادهم من المعادلة السياسية.. فبناء المجتمع لن يكتب له الاكتمال.. إلا بتلاقي الجميع تحت مظلة المصلحة الوطنية.

 

* لكن ترى التيارات الليبرالية أن كوادر الأحزاب الإسلامية غير منفتحة على الحياة السياسية، وستقف حائلاً دون نضج الديمقراطية.. مما يعرض المجتمع للخطر؟

** نحن بذلك نتحدث عن مخاوف تساور البعض وليس واقعًا أثبت صدق ما يروج له هؤلاء.. ليس منطقيًّا قياس الوضع على نحو يقنعه البعض.. حزب الحرية والعدالة لن ينفصل عن الواقع السياسي بكلِّ ما فيه من تفاصيل ولكنه سيتعامل معه وفق المنطق الذي يقبله الناس.. ونحن نقوم على خدمتهم، هذا كلام يعد مصادرة ومحاولة لقطع الطريق للمشاركة الجادة وبناء مصر الجديدة، والجميع يعلم أن الحرية والعدالة لديها من الكوادر والمتخصصين ما يعينه على أداء الرسالة مع باقي الأحزاب.. فقط البعض يحاول التشكيك ليحقق أهدافه ويبث الفرقة بين الناس ويزرع مخاوف لا وجود لها.. المرحلة تتطلب العمل الجاد والإخلاص للمجتمع ووحدة الصف وتلاقي الأفكار ليتنا نعمل جميعًا على ذلك.