الصفحة الرئيسية

 

 

قالوا عن الشهداء

 

 

- الإمام الشهيد يعرِّف بالقاضي الشهيد

- التلمساني: عبد القادر عودة.. القاضي الذي تقرر إعدامه قبل أن يُحاكم

- ذكريات عن القاضي الشهيد بقلم الأستاذ جابر رزق

- د. جابر قميحة هذا يوم الحداد العام



 

 

الإمام الشهيد يعرِّف بالقاضي الشهيد

 

 

 الشهيد عبد القادر عودة في باب التعارف بمجلة الشهاب

في نوفمبر 1947م أصدر الإمامُ الشهيد حسن البنا مجلةً شهرية تصدر في غُرة كل شهر عربي، وسمَّاها "الشهاب".

ومنذ عددها الأول حرص الإمام البنا على أن يجعل فيها بابًا للتعارف والتعريف بالشخصيات الإسلامية العاملة للإسلام، سواء المشهورة منها أو المجهولة، وسمَّاه "سجل التعارف الإسلامي".

 

 

وفي العدد الثاني من المجلة نشر صورةَ القاضي الشهيد: عبد القادر عودة "القاضي بالمحاكم الوطنية"، وعرَّفه للقراء بقوله:

 

 

وهذا التعريف الطيب يوحي بمعرفةٍ وصلةٍ وثيقة للإمام البنا بالأستاذ عبد القادر عودة، الذي لم يكن حتى ذلك الوقت معروفًا لعموم الإخوان المسلمين، فضلاً عن غيرهم.

 

ونشرت المجلةُ منذ العدد الأول منها مجموعةَ مقالات للأستاذ عبد القادر عودة، تحت عنوان: (المسئولية الجنائية في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية)، ظهر منها خمس مقالات في الأعداد الخمسة التي صدرت من المجلة حتى توقفت عن الصدور، قبيل حلِّ جماعة الإخوان المسلمين في نهاية عام 1948م.

 

 

 

-----------------------------------

 

 

 

التلمساني: عبد القادر عودة.. القاضي الذي تقرر إعدامه قبل أن يُحاكم

أ. عمر التلمساني

 

 تمضي الأيام وئيدة الخطا أو لاهثة.. وتضرب أستار النسيان على البلايين والبلايين من البشر في بطون الحقب والقرون؛ لأنهم عاشوا ولم يوجدوا.

 

كما تمضي القرون والحقب على أعلام من البشر لا تطوى ذكراهم، ولا تخفى معالم حياتهم ولا تدع للنسيان سبيلاً يزحف منه على جلائل مواقفهم من أجل الحق وفي سبيل الخير، رجال انفردوا بسجايا وخصال وعاشوا على مستوى المثل والقيم، وشقوا في الحياة طريقًا على مبادىء وأصولٍ لقوا الموت في سبيلها أو تحملوا صنوف العذاب من أجلها؟!

 

 

أرأيت إلى الرجل من آل فرعون يوم أن التقى القومُ على الفتك بموسى, وتلمس كل طريقة إلى رضا فرعون بالوشاية بموسى وذكره بكل سوء ومفسدة، فيقف فريدًا وحيدًا وسط الكفر والفساد, ومن خلال الظلم والظلام, لا يبالي ولا ينافق؛ بل يقذف بالحق من أعماقه.. ناصعًا كالنور قويًّا كجيوش يحركها الإيمان: "أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ" (غافر: من الآية 28)، ويمضي إلى موسى محذرًا ناصحًا: "إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ" (القصص: من الآية 20).

 

 

ترى كم من الآلاف أو مئات الآلاف ممن انحنوا لفرعون وسجدوا له وتقربوا إليه وساروا في ركابه، وأعلنوا إيمانهم به إلهًا من دون الرحمن، والتمسوا الرزق والخير والقصور ومتاع الدنيا في رضاه ظنًا منهم أنه المانح والمانع والمحيي والمميت!! ترى كم من هؤلاء مضى كما مضى فرعون وراحوا في طي النسيان، وإنْ حلت ذكراهم يومًا في الأذهان انهالت عليهم اللعنات ولحق بهم كل خزي وعار!! ويبقى الرجل المؤمن ذكرى على الدرب الطويل تحتل مكانها في التاريخ.. صفحات كلها مجدٌ وفخار، قدوةً ومثلاً، وعطرًا ونورًا؟!.

 

وعبد القادر عودة، من هذا الصنف من الرجال، الذين ساروا وما زالوا يسيرون على الطريق.. وقف على حبل المشنقة فازداد على الحق إصرارًا, ورأى الموت بعينيه فأسرع إلى لقياه، ولم تكن جريمته إلا أنه قال كما قال الذين سبقوه على الطريق: ربى الله!! ولم تكن فعلته إلا أنه أنكر على الظالم ظلمه للناس، وأبت عليه نفسه أن يسكت على صنوف الذل والهوان يُراد للأمةِ أن تحيا خلالها وتعيش في ظلها، فمضى شهيدًا بعد أن سطَّر على صفحات التاريخ سطورًا لا تُبلى ولا تُمحى، وحفر في القلوب والأذهان ذكرى على مرِّ الأيام تنمو وتزدهر!!.

 

 

سنون منذ أن قُتل الشهيد عبد القادر عودة وإخوانه الأبرار انقضت، ونقول قُتل لأنه لو صحَّ- وهذا غير صحيح- أنه اشترك في شروع في قتل فما من قانون وضعي ولا سماوي يُعاقب على الشروع في القتل بقتل، ولكنه الظلم والبغي بغير حق!!

 

 

ولي عبد القادر عودة أعمال القضاء فكان المنارة الزاهية بين القضاء, لأنه أبى إلا أن يطبق قانون السماء ما وجد إلى ذلك سبيلاً، ورفض أن يقيد نفسه بقوانين الأرض التي عجزت عن أن تُوفر لبني البشر أمنًا يفتقدونه وهدوءًا يبحثون عنه وحبًا يتوقون إليه, كان جريئًا في الحق ولو خالفته الدنيا بأسرها؛ لأنه كان يحرص على مرضاة ربه قبل أن يُفكر في إرضاء الناس.

 

 

وقف إلى جوار حركة 23 يوليو سنة 1952م ظنًّا منه أن رئيسها سيحقق الخير الذي أعلنه على الناس, وأغضب في ذلك الكثيرين من إخوانه ومحبيه، ولكنه لما تكشَّفت أمامه النيات، وبدأت تظهر الحقائق، سلك الطريق الذي ألزم به نفسه في حياته- طريق الحق والصدق- قال له رئيس الجمهورية السابق إنه سيقضي على كل مَن يعترض طريقه فأجابه الشهيد في صراحة المؤمنين: "ولكن مَن يبقون منهم سيقضون بدورهم على الطغاة الظالمين!!".

 

خرجت جموع الأمة في 28 فبراير سنة 1954م تُطالب الحكام بالإقلاع عن الظلم وتنحية الظالمين وزحفت الآلاف إلى ميدان عابدين تُطالب رئيس الجمهورية وقتذاك السيد محمد نجيب بالإفراج عن عن المعتقلين وتنحية الباطش، ومعاقبة الذين قتلوا المتظاهرين عند كوبرى قصر النيل وتطبيق شرع رب العالمين، وأدرك القائمون على الأمر يومئذٍ خطورةَ الموقف وطلبوا من المتظاهرين الثائرين أن ينصرفوا ولكن بلا مجيب، فاستعان محمد نجيب بالشهيد عبد القادر عودة على تهدئة الموقف، متعهدًا بإجابة الأمة إلى مطالبها.

 

 

ومن شرفة قصر عابدين وقف الشهيدُ يطلب من الجماهير الثائرة أن تنصرف في هدوء وقد وعد رئيس الجمهورية بإجابة مطالبها، فإذا بهذا البحر الزاخر من البشر ينصرف في دقائق معدودة, وبمنطق الحكم الديكتاتوري الذي كان يهيمن على البلد حينذاك كان لا بد أن يصدر قرار في عبد القادر عودة فإذا كان الشهيد قد استطاع أن يصرف الجموعَ الحاشدة- التي جاءت محتجة تُطالب بإطلاق الحريات وإفساح المجال للحياة الدستورية السليمة الأصيلة والوفاء بالعهود وتأدية الأمانات- فهو يمثل خطورةً على هذا الحكم الذي كان مفهومه لدى الحاكم أن يضغط على الأجراس فيلبى نداؤه، وعلى "الزرار" فتتحرك الأمة قيامًا وقعودًا، ومن هنا كانت مظاهرة عابدين هي أول وأخطر حيثيات الحكم على الشهيد عبد القادر عودة- بعد ذلك- بالإعدام؟!!.

 

لذلك لم يكن غريبًا أن اعتُقل هو والكثيرون من أصحابه في مساء اليوم نفسه, وقفوا على أرجلهم في السجن الحربي من الرابعة صباحًا حتى السابعة صباحًا يضربهم ضباط السجن وعساكره في وحشية وقسوة.. شأنهم شأن الذين إذا خلا الميدان أمامهم طلبوا الطعان لوحدهم والنزالا!!

 

وقدم عبد القادر عودة في تهمة لا صلةَ له بها ولا علم، حكموا على الشهيد بالإعدام ظنًّا منهم أنَّ قتْل عبد القادر عودة سيمضي كحدثٍ هين لا يهتم به أحد, ولكن حاكم هذا العهد لما رُفعت إليه تقارير جواسيسه بأثر ذلك الاغتيال قال في حديثٍ نشرته الصحف ما معناه : "عجبتُ لأمر هذا الشعب لا يرضى بالجريمة، ولكن إذا عُوقِب المجرم ثار عطفه على المجرمين".. ولكن ثورة العواطف عند الشعب لم تكن من أجل المجرمين، فما كان في الموقف واحد منهم, ولكن الشعب ثار عاطفيًّا كرهًا منه للظلم ووفاءً منه للأبرياء، وسيق الشهيد إلى غرفة الإعدام فكان الرجل الذي لا يبالي ولا يهلع.. كان عبد القادر عودة الشهيد الذي جاد بالروح, في سبيل المبدأ واليقين!! رحمك الله يا عبد القادر وأسكنك الفردوس الأعلى وتلقاك بالروح والرياحين".

 

-----------------------------------

 

 

ذكريات عن القاضي الشهيد

بقلم الأستاذ الكبير: جابر رزق

 

 الشهيد عبد القادر عودة

رغم مرور ثلث قرن على آخر مرة رأيت فيها القاضي الشهيد عبد القادر عودة فما زلت أذكر هذا اليوم وهذه الساحة، وهذا المنظر المهيب الذي لا يزال محفورًا في ذاكرتي كأنه الأمس القريب.

 

 

التاريخ: 28 فبراير 1954م.. وقتها كنت لا أزال طالبًا في معهد المعلمين قسم فرنسي بحلمية الزيتون، خرجنا مع كل الشعب المصري في هذا اليوم متجهين إلى قصر عابدين.. قصر الجمهورية لنهنئ محمد نجيب بعودته لرئاسة الجمهورية.

 

 

وصلنا إلى ميدان الجمهورية، التقى الجميع هناك وامتلأ الميدان، وامتلأت ساحة القصر، سيطرت هتافات واحدة، ورفعت المصاحف: لا شرقية لاغربية.. إسلامية إسلامية.. إسلامية قرآنية.

 

سيطر الإخوان على الساحة بهتافاتهم، فجأة شقت صفوف أعظم مظاهرة شهدتها مصر طوال تاريخها عربةُ جيب مكشوفة يجلس إلى جوار السائق القاضي الشهيد عبد القادر عودة، يرتدي حلة بنية اللون وطربوشه الأحمر على رأسه، حوله ثلاثة أو أربعة من الشباب يلوحون بمناديل ملوثة بالدماء يهتفون: "دم الشهداء بدم جمال".

 

وردد كل من في ساحة الميدان، وساحة القصر الهتاف، وكميات ضخمة من المنشورات تُلقى إلى المتظاهرين، ثم تدخل السيارة الجيب القصر ويمسك القاضي الشهيد عبد القادر عودة الميكروفون يُلقي خطابًا ملتهبًا لازلت أذكر منه العبارة التي افتتح بها خطابه "كنت أتمنى أن يمضي هذا اليوم دون سفك دماء ولكن..".

 

 

لا أذكر الألفاظ، ولكن أذكر أنَّ القاضي الشهيد أشار إلى تصدي قوات من الجيش لطلاب جامعة القاهرة وطلاب مدارس الجيزة، وأطلقوا عليهم الرصاص عند ميدان قصر النيل "ميدان التحرير الآن" وسقط عدد من الشهداء، هم الذين أشار إليهم الشهيد عبد القادر في خطابه.

 

 

أثناء خطاب الشهيد عبد القادر كان الرئيس محمد نجيب يقف في شرفة القصر الجمهوري ومعه آخرون، الرئيس نجيب يخطب في المتظاهرين يعدهم بالحكم النيابي، وبعد أن ينتهي من خطابه يطلب من الجميع أن ينصرفوا.. لكن لا أحد يتحرك.. الهتافات مستمرة "دم الشهداء بدم جمال".

 

محمد نجيب ينادي على الشهيد عبد القادر عودة يطلب منه أن يصعد إليه، يصعد الشهيد عبد القادر، يلتقي بالرئيس نجيب، نجيب يعانق الشهيد عبد القادر، ويطلب منه أن يخطب في المتظاهرين ويصرفهم.. الشهيد عبد القادر يتحدث إلى المتظاهرين ويطلب منهم: "انصرفوا آمنين" في التوِّ وفي أقل وقت انصرف الجميع في هدوء ونظام أثار الدهشة.

 

كان جزاء الشهيد عبد القادر أن ألقوا القبض عليه وعلى الأستاذ عمر التلمساني رحمهما الله بعد خمسة أيام من هذه المظاهرة، ووجه له تهمة العمل على قلب نظام الحكم في مظاهرة 28 فبراير.

 

هناك مَن يقول إن موقف الشهيد عبد القادر عودة في هذا اليوم وقدرته وتأثيره في صرف المتظاهرين هي السبب في حقد عبد الناصر عليه وأسرَّها له في نفسه، حتى كانت محاكمته فأُعدم.

 

لقد كان موقف القاضي الشهيد ضد ما كان يُريد الطاغية ويتمنى، كان الطاغية قد أصدر قرارًا بحل جماعة الإخوان قبل هذا اليوم بشهرين "يناير 1954"، وقبض على عدة مئات من الإخوان في مقدمتهم الإمام الممتحَن المرشد حسن الهضيبي، وعشرات من قيادات الإخوان، ولم يعتقل الطاغية القاضي الشهيد عبد القادر عودة والأستاذ عمر التلمساني وعدد آخر من قيادات الجماعة؛ كان يظن الطاغية- وخاب ظنه- أنه يستطيع احتواءهم ليشق صف الجماعة في قيادتها بعد أن باءت محاولته الأولى التي دبرها عن طريق بعض من غرَّر بهم من شباب الجماعة الذين اقتحموا منزله، وأرادوا أن يرغموه على الاستقالة فرفض في حزم وحسم، واحتلوا المركز العام بعد ذلك ولكنهم أخلوه.

 

لقد أراد الطاغية شيئًا بعدم اعتقال القاضي الشهيد وإخوانه الذين لم يعتقلوا وأراد الله شيئًا آخر، فكانت هذه المظاهرة التي لم تشهد مصر أعظم ولا أضخم منها في تاريخها كله، والتي كادت أن تقتلع الشجرة الخبيثة من جذورها، ولكن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

 

وزُلزل الطاغية في هذا اليوم فعقد العزم على إعداد العدة وتوجيه الضربة القاصمة لكبرى الحركات الإسلامية المعاصرة ليحقق لأسياده حلمهم الكبير، ويسلس له قيادة شعب مصر بعد أن يكون قد تخلص من آخر قوة يمكن أن تعوق تنفيذ المخطط الذي جاء لتنفيذه، وقد كان.. في نفس العام وفي شهر أكتوبر على وجه التحديد كان حادث المنشية "المسرحية" التي دُبرت بليل لتكون المبرر لتصفية جماعة الإخوان المسلمين.

 

ويكون القاضي الشهيد عبد القادر عودة على رأس الستة الذين عُلقوا على أعواد المشانق، ويتقدم القاضي الشهيد بخطى ثابتة، وقلب مطمئن للقاء ربه متوجهًا إلى الله بالدعاء: "اللهم اجعل دمي لعنةً عليهم" أي على ضباط الانقلاب.

 

 

القاضي الشهيد: عبد القادر عودة

"في ذات العدد من مجلة "الشهاب" الذي قدَّم فيه الإمامُ الشهيد حسن البنا للإخوان المستشارَ حسن الهضيبي كقاضي مسلم، مجاهد في سبيل التمكين لشرع الله، قدَّم فيه أيضًا القاضي عبد القادر عودة كقاضٍ مسلم، وعالم فقيه، يُجاهد في سبيل إعلاء كلمة الله.

 

 

ظل القاضيان: المستشار حسن الهضيبي، والقاضي عبد القادر عودة من جنود الدعوة الأخفياء؛ لأن القانون يحظر على رجال القضاء الانتماء إلى أية هيئة أو حزب.
بعد استشهاد الإمام الشهيد حسن البنا وجد الإخوان في المستشار حسن الهضيبي طلبتهم، فاختاروه مرشدًا لهم خلفًا لإمامهم الشهيد، واختار المرشدُ الجديد المستشار حسن الهضيبي القاضي عبد القادر عودة وكيلاً لجماعة الإخوان ليساعده.

 

وكان اختيار الرجلين: الهضيبي وعودة ليكونا على رأس جماعة الإخوان في تلك الحقبة قدرًا من أقدار الله، فجاهدا وصبرا، وصدقا ما عاهدا الله عليه حتى لقيا ربهما- نحسبهما كذلك ولا نزكي على الله أحدًا- استمر تعاون الرجلين في قيادة الدعوة حتى وقع الصدام بين الإخوان ورجال الانقلاب.

 

ففي الوقت الذي استطاع فيه الإمامُ الهضيبي ببصيرته وفراسته أن يكتشف سريعًا وفي أول لقاء حقيقةَ نفسية طاغية العصر جمال عبد التاصر، وما تنطوي عليه من حقد وكراهية للإخوان، ورغبةٍ جامحة في التسلط والاستبداد فلم يحسن به الظن ساعة من نهار، كان الأستاذ عبد القادر حسنَ الظنِّ بالطاغية، فاستثمر الطاغية حُسْنَ الظن هذا فأولى الأستاذ عبد القادر عودة قدرًا من العناية والرعاية المتميزة؛ بهدف احترامه واستقطابه لشق صف الجماعة وتمزيقها، وزين له شيطانه- وخاب ظنه- أن يستبدل المرشد العام الهضيبي بالقاضي عبد القادر عودة.

 

وبذل الطاغية قصارى جهده ليحقق أوهامه؛ في يناير سنة 1954م أصدر الطاغية قرارًا بحل جماعة الإخوان المسلمين، واعتقل أكثر من أربعمائة من قادة الجماعة على رأسهم الإمام الهضيبي، واستثنى الأستاذ عبد القادر عودة من الاعتقال، أكثر من هذا سمح له بزيارة المعتقلين في السجن الحربي، وفي معتقل العامرية، وسمح له أيضًا باللقاء به وبحْث شئون المعتقلين ومستقبل الجماعة معه!

 

لكن خاب ظن الطاغية وضلَّ سعيه وخسر؛ فقد كانت اتصالات الأستاذ عبد القادر عودة خلال فترة يناير سنة 1954م سواء بالطاغية ورجاله أو بالمعتقلين من الإخوان وسيلةً لإلقاء الضوء على حقيقة الخلاف بين الطاغية والإخوان، فأدرك ما لم يكن يدركه من قبل فانحاز لجماعته ومرشده، ونقل جواسيس الطاغية الموقفَ الجديد للأستاذ عبد القادر عودة فحرمه الطاغية من زيارة المعتقلين.

 

ثم كانت مظاهرة عابدين، التي كان الأستاذ عبد القادر عودة فارسها المغوار الذي استطاع بكلمات قليلة أن يصرف المتظاهرين بعد أن بُحَّ صوت اللواء محمد نجيب في طلب الانصراف فلم ينصرفوا.

 

وفقد الطاغيةُ الأملَ الذي زيَّنه له شيطانه في الأستاذ عبد القادر فتفجَّر غيظه، ولم تمض أيام حتى اعتقله ضمن أربعة آخرين من الإخوان، ووجه له تهمة العمل على قلب نظام الحكم.

 

لم ينس الطاغية خيبته وخذلان الأستاذ عبد القادر له في معركته ضد المرشد المستشار الهضيبي حتى كانت مسرحية المنشية، فقدم الأستاذ عبد القادر ليكون ضمن الضحايا الستة الذين أعدمهم الطاغية على أعواد المشانق يوم 6 ديسمبر سنة 1954م، وقدمهم عربونًا لأسياده أعداء الإسلام!

 

تقبلهم الله جميعًا.. في الشهداء".

 

 

 

-----------------------------------

 

هذا يوم الحداد العام

 

بقلم: أ. د. جابر قميحة

 

أ. د. جابر قميحة

 

سيظل شهر ديسمبر 1954م شهرَ سوادٍ حالكٍ في تاريخ مصر, وسيظل يوم الخميس التاسع من هذا الشهر نقطةَ عارٍ في جبين حكومة العساكر التي حكمت مصر، إنه اليوم الذي شنَق فيه عبد الناصر ستةً من أشرف وأنقى رجال هذه الأمة, وهم الشهداء: عبد القادر عودة, ويوسف طلعت, ومحمد فرغلي، وإبراهيم الطيب، وهنداوي دوير, ومحمود عبد اللطيف.. وكان القاضي الذي أدان هؤلاء المجاهدين الأشراف ضابطًا اسمه "جمال سالم"، وطبعًا كان من أجهل الناس بالقانون, مجردًا من أبسط قواعد الذَّوق واللياقة والخلق والنبالة.

 

 

وكانت "جريمة" هؤلاء الإخوان التآمر على مصر, وتدبير مؤامرة لاغتيال "الزعيم الخالد جمال عبد الناصر" في ميدان المنشية بالإسكندرية, وقد ثبت أنها كانت تمثيليةً دُبِّرت ونُسِجت خيوطها بليل, ووُزِّعت فيها الأدوار، وكان الهدف منها ضربَ الإخوان؛ لأنهم كانوا القوة الشعبية الوحيدة التي تمثل العقبة الكأداء في طريق ديكتاتورية عبد الناصر وبطانته من العساكر.

 

وتحت حبل المشنقة دعا عبد القادر عودة ربه "اللهم اجعل دمي لعنةً على رجال الثورة"، واستجاب الله دعوته, فرأينا ما نزل بهؤلاء من نكبات, وما تعرضوا له من فضائح، وكيف سلط الله بعضهم على بعضهم الآخر، وكانوا:

 

كالنار تأكل بعضها      إن لم تجد ما تأكله

 

 

علي الطنطاوي وبيانه الإيماني

الشيخ علي طنطاوي

وعلي الطنطاوي (1327-1420هـ) (1909- 1999م) هو القاضي السوري المشهور، ويوصف دائمًا بأنه "فقيه الأدباء, وأديب الفقهاء"؛ لأنه يعرض فقهه وفكره- كتابةً أو حديثًا- بأسلوب أدبي طلي راقٍ بليغ, في تدفُّق لا يعرف التصنيع والتكلف والافتعال.

 

وبعد إعدام الإخوان مباشرةً كتب مقالاً طُبِع في كتيب صغير, وطُبِع منه أكثرُ من نصف مليون نسخة, وتُرجِم بعد ذلك إلى اللغة الأوردية, كما ترجم إلى اللغة الإنجليزية, ونُشِر في كثير من صحف العالم، وأذكر أننا- ونحن في بداية التعليم الجامعي- قرأنا هذا البيان, وكنت أحفظ كثيرًا من فقراته.. ولم أتمكَّن من قراءته مرةً ثانيةً إلا بعد صدوره بتسعة وأربعين عامًا- أي من بضعة أشهر- منشورًا في الجزء الثامن من "ذكريات علي الطنطاوي" (ص 16-22), وأنا أعد بحثًا عن (شخصية المكان في ذكريات علي الطنطاوي) نُشر في مجلة الأدب الإسلامي.

 

هذا يوم الحداد العام

كان عنوان هذا البيان "هذا يوم الحداد العام", وقد طُبع منه- كما ذكرت آنفًا- أكثر من نصف مليون نسخة, وتُرجم إلى الأوردية والإنجليزية؛ ولأن أبناء هذا الجيل- أو أغلبهم- لم يقرأوه, وكمظهر من مظاهر الوفاء لذكرى هؤلاء الشهداء الأبرار الستة رأيت أن أقدم قطوفًا من هذا البيان, ولكن أكتفي بالقطوف عن الشجرة الوارفة الظلال.

 

 

إنه عُرس لا مأتم..

استهل شيخُنا بيانَه استهلالاً أخَّاذًا بارعًا.. نصه:

"لو كان الأمر إليَّ لما جعلتُه أمرَ حداد, بل يوم بِشٍر وابتهاج، ولما صيَّرته مأتمًا بل عرسًا, عرس الشهداء الأبرار على الحور العين, ولما قعدت مع الإخوان أتقبل التعزيات بل التهنئات، وهل يرجو المسلم شيئًا أكبر من أن يموت شهيدًا؟! وهل يسأل الله خيرًا من حسن الخاتمة..؟! "إني لأتمني- والله شاهد على ما أقول- أن يجعل منيتي على يد فاجر ظالم, فأمضي شهيدًا إلى الجنة, ويمضي قاتلي إلى النار, فتكون مكافأتي سعادتي به, ويكون عقابه شقاؤه بي.

 

عقاب.. وعقاب!!

هذا هو العقاب لا عقابك يا جمال, عقاب الله "الناصر" لأوليائه, القاهر فوق أعدائه, الذي ستقف أمامه وحدك, ليس معك جيشك, ولا دباباتك, ولا سلاحك, ولا عتادك, تُساق إليه وحيدًا فريدًا.. فيسألك عن هذه الدماء الزكية فيم أرقَْتَها?! وعن هذه الأرواح الطاهرة فيم أزهقتَها?! وعن هاتيك النساء القانتات الصابرات فيم رملتهن?! وعن أولئك الأطفال البرآء فيم يتمتهم?! وعن هذه الجماعة الداعية إلى الله, المجاهدة في سبيله, فيم شمَّتَّ بها أعداء الله ورسوله..؟!

 

فعش كيف عشت, وسر مهما سرت, فهل تقدر أن تجد لك طريقًا لا يمر بك على المحشر ولا يقف بك موقف الحساب? هل تعرف لك مُلكًا غير ملك الله تفر إليه?! كما يفر المجرم السياسي من دولة أساء إلى حكامها, إلى دولة أخرى تحميه منها? وهل تظنها تدوم لك يا عبد الناصر? لو دامت لغيرك ما وصلت إليك.

 

ما أعظم الضحايا!!

يا عبد الناصر.. جزاك الله بما تستحق، أوتعرف بمن ضحيت? ضحيت بمن كان أعلم المسلمين بالشرع الجنائي في الإسلام, ومن سنحتاج إليه غدًا فلا نجده, ولا نجد مثله, فنبكي عليه حزنًا وأسفًا, ويضحك عدونا شماتةً وسرورًا? بمن ألَّف الكتاب الجليل (التشريع الجنائي الإسلامي) الذي تُرجم إلى كثير من لغات الناس، وتقرر تدريسه في الجامعات, وتزاحم الجميع على تكريم مؤلفه, وبعثوا يطلبونه, فقيل لهم إنه لا يستطيع أن يحضر حفلات تكريم؛ لأن عبد الناصر كرَّم علمه بحبل المشنقة!.

 

يا عبد الناصر.. جزاك الله بما تستحق، ضحيت بسيد المجاهدين الفرغلي.. بالشيخ الذي أفزع بريطانيا حتي جعل راديو "فايد"- البريطاني- ينادي كل يوم ثلاث مرات, بأن من جاء برأسه فله خمسة آلاف, فجاءهم برأسه عبد الناصر, فيا عبد الناصر جزاك الله بما تستحق.. لقد كانوا جميعًا من أئمة التقى, ومصابيح الهدى, من الذين يقومون الليل, يقطعونه تسبيحًا وقرآنًا, ويجاهدون في النهار يملئونه جهارًا وإحسانًا.

 

تعذيب.. وتعذيب

وأشهد لقد قرأت أخبار المشركين وتعذيبهم لمن آمن من قريش وما فعل أعداء الإسلام بالمسلمين من الطغاة الجبارين, كهولاكو وجنكيز, وما صنعت محاكم التفتيش في الأندلس, وما يصنع الكيان الصهيوني في فلسطين, في دير ياسين, وقبية، ونحالين, فوالله ما آلمني شيء كما آلمني ما صنع عبد الناصر وأعوانه بهذه النخبة الصالحة من المسلمين.

 

ولو كان في هؤلاء الشهداء قاتل أو مجرم, وحاكموه محاكمةً, ثم عاقبوه قصاصًا لما اعترضهم أحد, أما أن يكونوا من خيار المؤمنين, وأن يكون ذنبهم أنهم أعدوا السلاح للعدو وبعلم رجال الحكومة, وأنهم دُرِّبوا على القتال والتدريب بعلم رجال الحكومة, وأنهم أعلنوا رأيهم في المعاهدة, وحق الرأي واحد من حقوق الإنسان, وأن تحاكمهم هذه المحكمة, وليست محكمةً فيها قضاة، وأن يكون الحكم على هذه الصورة فهذه قصة فظيعة فظيعة فظيعة, بلغ من فظاعتها أن أجمع الناس- على اختلاف البلدان والألسنة والألوان والمذاهب والألوان- على استنكارها..!!

 

عساكر.. بلا فروسية

ولست أدري كيف يلبس هؤلاء لباس الجند, ويحملون شارة العسكرية، وما سلكوا سُبل البطولة, ولا استنوا بسنن الفروسية عند الفرسان.. الفارس من يبارز خصمه في الميدان, وينازله مسلحًا, أما الذي يبدي البطولة والخصم أعزل مقيد, وحوله الرهط من الأنصار, وخصمه مفرد, فهذا ليس من الفروسية في شيء.

 

أما أنتم يا أيها الإخوان.. أما أنتم يا أيها الإخوان المسلمون, فاعلموا أن المحن تدريب.. وتمرين, وكلما تقدم الجندي خطوة صعب التدريب عليه وقسا, فإذا وصل إلي أقساه, فقد بلغ آية القوة, وصار جنديًا كاملاً.

 

وأنتم بلغتم الغاية اليوم حين امتُحنتم الامتحان الأكبر, امتحان الدم, ونجحتم, نجحتم والله, ولم تزعزع المشانق إيمان هؤلاء الإخوان, ولا هزت أعصابهم, ولقد قابلوا الموت مقابلة انحنت- إكبارًا لبطولتها وعظمتها- هامات الرجال في كل مكان.

 

واذكروا أن الشيخ الإمام حسن البنا- رحمه الله- كان قد أنذركم أنها لا تزال أمامكم مصائب شداد, واختبارات صعاب, وقد أقدمتم عليها, وأنتم عارفون بها.

 

والعاقبة لكم, إنها والله لكم, ولأنكم تمشون علي هدي الإسلام، المستقبل لكم, فلا تزعزعكم الأحداث, ولا تفتنكم عن إيمانكم, علي أن تبقوا صفًا واحدًا, لا تفرق بينكم الدنيا, ولا يقسمكم النزاع علي الزعامات, وأن تجعلوا إمامكم دائمًا كتاب ربكم.

 

وبعد.. فيا أهل الشهداء: الصبر الصبر.. إن دموع العالم الإسلامي كله قد مازجت دموعكم, وقلوبهم جميعًا قد قاسمت الأسي قلوبكم, وكلهم أخ لكم وصديق، ومأتمكم صار مأتم دنيا الإسلام كلها, والله معكم, والله خير من الجميع.