توحّدي يا أمة التوحيد.. رسالة الإخوان للأمة في رمضان

توحّدي يا أمة التوحيد.. رسالة الإخوان للأمة في رمضان

 

الحمد لله والصلاة والسلام على خاتم رسل الله ومن والاه، وبعد،،

يتقدم الإخوان المسلمون بخالصِ التهنئةِ للأمة الإسلامية جمعاء، بمناسبة حلول شهر رمضان المعظم، الذي أُنزل فيه القرآنُ هدى للناسِ، وبدأت به رسالةُ الرحمة والسلام للبشر جميعا. نسأل الله العلي القدير أن يعيده علينا وعليكم وقد تحررت أوطاننا من كل سلطان أجنبي، وتحررت من وكلاء المحتلين من الحكام الطغاة المستبدين. 

كما يتوجه الإخوان المسلمون لأسر الشهداء الذين ضحّوا بأنفسهم في سبيل الله؛ دفاعا عن الحرية وانتصارا للمبدأ وانحيازا لحق الشعب في حياة كريمة يستحقها، نسأل اللهَ لهم الرِّفعة والدّرجات العليا في فردوس الله؛ فقد باعوا أنفسهم لله ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ..﴾ (التوبة : 111)، نسأل الله أن يتقبلهم، وأن يُلحقنا بهم غير مُبدّلين ولا مُغيّرين.

ولا ينسى الإخوان المسلمون أن لهم فلذات أكباد في سجون الظلم والطغيان وظلمات الأسر فيشدون على أيديهم، ويثمنون ثباتهم وصمودهم الذي يمثل نموذجا للأحرار ومصدر إلهام للثوار، ورافدا من روافد الأمل واليقين والثبات. والإخوان المسلمون إذ يهنئونهم بشهر الصبر يبشرونهم بقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: "مَن رَابَطَ يوماً وليلةً في سبيل الله كان له كأجر صيام شهر وقيامه، ومَن مَاتَ مُرابِطاً أُجرِي له مثل ذلك من الأجر، وأُجرِي عليه الرّزق، وأَمِنَ من الفتَّان".

ويتوجه الإخوان المسلمون إلى مَن وحَّدهم شهر رمضان بشعائره، ووحدتهم شهادة التوحيد برباطها، ووحدتهم الأوطان بعاطفتها، أن يتذكروا قول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: 103)، ويذكرون الجميع بقول ربنا سبحانه: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 105) ولنعمل جميعا بوصية ربِّ البرية: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾(آل عمران: 120)، ولنعلم أن أعداء الأمة يعملون ليل نهار لإشعال الفتنة وتفريق الكلمة وتقطيع العلاقات وإفساد ذات البين. ليصبح المسلمون لقمة سائغة يبتلعها الطامعون. 

إن المسلمين سادوا الدنيا بالعدل قرونًا من الزمان لما كانوا أمةً واحدةً، ومن يقلّب صفحات التاريخ الإسلامي يجد النصر قرين الوحدة والهزيمة ثمرة الفرقة. وقد فطن أعداؤنا إلى أن سرَّ قوة المسلمين في توحدهم ووحدتهم، فأضعَفوا التزامَهم بدينهم، وزيَّنوا لهم شهوات الأرض، ثم ضربوا وحدتهم السياسية التي ظلت سياجًا للأمة الإسلامية حتى منتصف القرن الثالث عشر الهجري، الثامن عشر الميلادي، حين سقطت بلادنا في براثن الغزو الثقافي الماكر ثم الغزو العسكري الفاجر، وانتهت باحتلال أغلب البلاد الإسلامية وسقطت الخلافة العثمانية وانفرط آخر عقد جامع للأمة، واستفحل الغزو الفكري، وتمت تنشئة أجيال من المسلمين على عين الغرب، جعلوهم صفوةَ مجتمعاتنا وروادَ نهضتنا، وهم في الحقيقة سرُّ نكبتنا، ورسل الغزاة فينا، وبدل الوحدة الإسلامية العامة تمَّ الترويج للوطنية الضيقة والقوميات العمياء، وجعلوا من هذه وتلك عدوًّا للفكرة الإسلامية، لا سبيلاً إليها.

واليوم قد ابتليت الشعوب الإسلامية بأنظمة فاسدة ومستبدة، أثبتت لعقود من السنين فسادها، والتفريط في مقدرات الأوطان، وتخلفها الواضح عن مسايرة طموحات الأمة في التحرر والانعتاق، والتخلص من التبعية لأعدائها، فكانت ثورات الربيع العربي التي فضحت وإلى الأبد، الفكرة التي كانت مستقرةً بين تلك الشعوب، والقائلة إن «العالم العربي» ميئوسٌ منه، ولن يكون أبداً قادراً على تحقيق الحرية والسيادة الشعبية كما فعلت معظم شعوب العالم، وبهذا كان الربيع العربي نوعاً من الاستثناء الجغرافي الثقافي وهو قادر على العودة مرة أخرى رغم هذه المآسي التي تعرضت لها الشعوب المنتفضة ضد تلك الأنظمة.

وفي الختام نسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبَّل منا جميعاً طاعته، صياماً وقياماً وبرّاً، وجهادا وتضحية، كما نسأله أن نعود يداً واحدة على مَن ظلمنا، وألا نكون ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ لِفُونَ﴾ (النحل: 92).

الإخوان المسلمون

الأحد ٢٩ شعبان ١٤٤٠ هجريا، الموافق ٥ مايو ٢٠١٩ ميلاديا
التعليقات